"...مهانة ترتسم في العيون لا يمكن اخفاؤها . وجوه الناس متشابهة أينما أذهب ، تشبه وجوه أولئك الذين أراهم في الملجأ أو في الشوارع المحيطة ببيتي حين تأتي النساء بالماء والخبز مسرعات ، يسرقن لحظات قصيرة ويتصارعن مع الموت . تنطلق أغنية فريد الأطرش "انا وانت ولا حد تالتنا" ...."
- حين تتغلل الحرب في الحياة اليومية ..حين تحتل القلوب .. و تصاحب الأنفاس .. سطور بنكهة الحرب .. ألا لعنة الله على كل حرب ،،
طبعًا, لا أحد ينكر ما حفرته الحرب على واقع السرد الروائي اللبناني. وهذه رواية أخرى, تصوّر سنوات الكابوس للحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 حتى 1990 ..تُشكّل الحقيقة المريعة لواقع الحرب في قالب نسوي بحت, تحت راية أربع نساء.
عن التعايش مع الحرب, القتلى في كل مكان, لا رائحة إلّا رائحة الدم, والأشلاء متناثرة على الأرصفة والمحلّات والمقاهي. الندبات الواضحة على وجه المدينة بيروت. والخراب في كل بيت. خراب نفسي, خراب جسدي, خراب روحي. ثم حتّى تنتهي الحرب, هدوء نسبي يصيب الروح بالشلل ويجعلها على أهبة الحذر والاستعداد لأي طارئ يطرأ. لا أمان ولا استقرار. تنتهي الحرب وما انتهت القصة.
فى عالم آخر تأوى المرأة إلى صدر رجلها ولا تخاف يلعب الأطفال فى الباحات ، ويكبرون على حليب أمهاتهم يتزوج الولد ويجلب لأمه الاحفاد تتشبث الفتاة بظهر الرجل الذى تحب فوق الدراجة النارية، وتكون أقصى مخاوفها أن تسقط من خلفه يتماسك العجوز حتى آخر العمر ، يبيض شعره ولا يشيب فى عالم آخر .. فى بلدة تشبه البلدة تماما يكون من السهل على الإنسان أن يُشفى !
الرواية عاوزة لبنانى يقرأها بكلمات أخرى محتاجة واحد قارىء أو عايش وعارف كل أحداث الحرب الأهلية اللبنانية لأن للأسف نسيت تدى الناس اللى زينا فكرة وهى بتحكى الحكاية الأنثوية بإمتياز من حيث إغراقها فى العاطفية والمشاعر والأحساسيس والروائح أيضاً وخلوها من المعلومات والأخبار والأحداث التاريخية
هكذا تختتم "مهى" قصتها وهي قصة ما بين ٤ قصص أخرى لنساء يعيشون داخل الحرب؛ لتحكي كل منهم قصتها قبل وأثناء وبعد الحرب الذي كانت بمثابة كابوس عليهم
"كتبت رسائل طيلة سبع سنوات، وقلت لها عند وصولي أشعر أنني أفقد ذاكرتي وأنني أريد قراءة رسائلي، هكذا يتسنى لي إعادة التعرف على ذاتي، قد أستطيع بهذه الطريقة إعادة وصل سنوات بترت من عمري كما تبتر الأطراف من الجسد. قد أستطيع بذلك صون أمكنتي التي بدأت أفقدها."
الرواية حلوة لكنني لم أشعر بثقل الكلمات عليّ كأن الكاتبة أرادت أن تسرد أحداث أو قصص دون التعمق في المشاعر ( من وجهة نظري)
كتاب قرأته و حاولت أن أرى واقع الحرب من خلال أعين أمي. أربعة نساء مختلفات توازت حياتهن و غيرهن عنف الحرب و سوادها. كتاب مليء بالصور و التعابير المجازية الثاقبة. كل امرأة أخذتنا معها في رحلة الوقت و رغم نهاية الحرب، هذه القصص لم تنته! رائع!
كدت اكتفى بنجمتين لولا مهى وكاميليا فى اخر الرواية يقول محمد لمهى "ماذا تريدينى أن أفعل إذا أصيب العالم حولى بالجنون؟" بينما أنا أرى جنون العالم من حولى الآن ارى ما يعانيه أشقائى فى كل بلد تأكلها الحروب وتترك أرواح آناسها عطبة خاوية لا هى ميتة ولا حتى تصلح للحياة أرى ايضا ملامح من تهجير المسيحين فى لبنان والسؤال الأزلى "أهكذا تبنى الاوطان" وأتذكر مصريى رفح وأقباطها أرى كنائس تفجّر و مساجد تتحسس خطابها الدينى وأتساءل "أهكذا تبنى الأوطان؟" قُدّر لنا العيش فى عالم مجنون كعالمنا هذا الناجى منه من ينعزل بسلامه النفسى عن جنون البشر أجمع وعن جنون عالم لا نجاة فيه إلا لمن قُدّر له النجاة .