What do you think?
Rate this book


173 pages, Paperback
Published January 1, 2019
والإسلام لبث ثلاث عشرة سنة من غير جامع، ولكنه لا يبقى ساعة بغير إيمان ولا أخلاق.
الإسلام ليس ديناً فقط لأنه لا يقتصر على العبادات، ويكفي أن تمدوا أيديكم إلى كتاب من كتب الفقه وتنظروا في أبوابه لتروا أن فيه باب العبادات (وهذا هو الدين بعرف النصاری) وباب المعاملات (وهو ما يسمى بالقانون المدني) وباب الزواج والطلاق (وهو ما يسمى بقانون الأحوال الشخصية) وباب السِّيَر أو الجهاد (وهو ما يعرف بالحقوق الدولية) وباب الإمامة العظمى (وهو ما يسمى بالحقوق الدستورية) وباب الحدود (وهو القانون الجنائي أو الجزائي) وباب الوصايا والمواريث وباب الآداب.
فالإسلام دين، وقانون مدني، وقانون جزائي، ودستور وقانون دولي، وأخلاق وتوجيه وآداب.
فإذا قبلنا بمبدأ فصل «الدين» عن السياسة مثلاً، فلا يصح أن نستنتج منه وجوب فصل «الإسلام» عن السياسة، لأن الإسلام ليس ديناً ولكنه دین وسیاسة. هل تستطيعون -يا سادتي- أن تحذفوا سورة براءة مثلاً من القرآن لأنها سياسة؟
ألا إننا لا نعرف في قانوننا إلا الإسلام، ما حرّمَه حرَّمْناه، وما أمر به فعلناه، وما سنّه اتبعناه. إن أنكر الإسلام القومية كفرنا بالقومية، وإذا أبى الاشتراكية نبذنا الاشتراكية، وإن قبّح الفن لَعَنّا الفن، وإن قال لنا الإسلام انبذوا الدنيا نبذنا الدنيا.
لا نخجل بإسلامنا ولا نساوم فيه ولا نهادن. إن قالوا عن أحكام الإسلام رجعية قلنا نحن رجعيون، وإن دعوها عصبية قلنا نحن متعصبون. ومهما أطلقوا على الشر من أسماء الخير (فسمّوا الرذيلة رقياً والفساد فنّاً) لم نرضَ بالشر، ومهما سموا الخير بأسماء الشر (فقالوا عن الفضيلة والحق والصلاح جمود أو رجعية) لم نترك الخير.
مسلمون، مسلمون، لا نداري ولا نداور ولا نحيد -إن شاء الله- عن طريق الإسلام.
الخلاصة: إن الأمور التي تتبدل بتبدل الزمان لها عندنا قاعدة شرعية، هذه القاعدة تقول: «لا يُنكَر تبدل الأحكام بتبدل الأزمان». ومقابلها قاعدة تقول: «لا مجال لاجتهاد مع ورود النص».
ولقد سمعت مرة قارئاً يتلو قوله تعالی:
﴿خُذوهُ فَغُلّوهُثُمَّ الجَحيمَ صَلّوهُثُمَّ في سِلسِلَةٍ ذَرعُها سَبعونَ ذِراعًا فَاسلُكوهُ﴾، هذا الكلام الذي ترتجف له القلوب من الخوف ومن شدة الوعيد كان يقرؤه القارئ بنغمة السيكا (وهي نغمة مرقّصة) وهم يتمایلون طرباً كأنهم لا يفكّرون بمعنى ما يسمعون! أفهؤلاء ممن يتدبّر القرآن؟ هل فهم هؤلاء معنی ما يقرأ القارئ ويسمعون؟
الرجعية أن نرجع إلى ديننا لترجع لنا أمجادنا، ولتعود راياتنا خفاقة على الدنيا وحضارتنا باسقة على الأرض. إنها رجعية، ولكنها رجعية الذي مرض إلى الصحة، والذي افتقر إلى الغني، والذي ذَلَّ إلى العز، ورجعية الكون إلى بياض النهار جديد بعد ليل عاصف شديد الإظلام.
هذه سنّة المستعمرين في كل زمان ومکان؛ عملهم قطع رابطة الإيمان بين المسلمين وربطه بروابط الجاهلية، قانونهم «فرّقْ تَسُدْ» وعملهم كسر الحزمة عوداً عوداً لما عجزوا عن كسرها جملة.
ومن هنا قيل: «الدين المعاملة». فالمعاملة هي الميزان الذي يوزَن به صلاح الرجل، وهي المقياس الذي تُقاس به تقواه. ليس الصلاح بلباس الصوف وإظهار الزهد، ولا بتكبير العمامة وتسريح اللحية، ولا بسَوْق المواعظ وتشقيق الكلام... إن الصلاح في الإسلام بالسلوك لا بالمظهر، وبالفعل لا بالقول.
فإذا قعد الزارع فلم يحرث أرضه، وترك الأهلُ مريضَهم فلم يداووه، وأهمل المسافرُ إعدادَ المتاع وشراء التذكرة، ثم قال: «اللهمَّ إني أستعين بك» كان كاذباً، لأنه لم يعمل شيئاً ليطلب العونَ عليه من الله.
فمعنى ﴿إِيّاكَ نَستَعينُ﴾ أي لا نستعين [إلا] بك، فكيف استعان الزارعُ بالمحراث والمريضُ بالطبيب والمسافرُ بالطيارة وهو يقول: «إياك نستعين»؟ الجواب أن الله هو الذي وضع الأسباب وهو سَنَّ سُنَنَ الوجود، فمن اتخذ الأسباب كان في الحقيقة مستعيناً بالله، لأنه هو الذي أوجدها وسخّرها، على أن يلاحظ ذلك ويفكر فيه ويذكره دائماً.
والقرآن ما أُنزل ليُتلى على الماء فيشربه المرضى فيُغني عن كليات الطب ولا عن المستشفيات ولا عن الصيدليات، ولم يقل بهذا أحد من علماء الإسلام.
بل لا يكفي اتّباع حكم الشرع ظاهراً، بل أن يرضوا به رضاً قلبياً ولا يضيقوا به ولا يخجلوا ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ﴾ انظروا: لقد أقسم الله بذاته، لا بالضحى ولا بالليل ولا بالعصر، أقسم على أنهم لا يؤمنون، حتى ماذا؟ ﴿حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم﴾ ويتّبعوا حكمك وينفذّوه. ولكن يكفي هذا؟ لا، بل إن معه شرطاً آخر هو، ﴿ ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمّا قَضَيتَ﴾، أي أنهم يرضون بالحكم قلباً وقالباً وظاهراً وباطناً، ﴿وَيُسَلِّموا تَسليمًا﴾
أيُّ شر وراء قوم مسلمين بأسمائهم وألقابهم
كافرين بأفعالهم وأعمالهم؛ لا يقيمون الصلاة، ولا
يُؤتون الزكاة، ولا يصومون رمضان، ولا يَحُجّون
البيت وإن استطاعوا إليه سبيلاً! يقولون إنهم
مسلمون، وأنت ترى بيوتهم ونساءهم وأولادهم
وأقرباءهم فترى تَفَرْنُجاً وسفوراً، وتراهم أبعدَ عن
الإسلام من الحق عن الباطل والأرض عن السماء!
مسلم يدخل المسجدَ مرة في العام، ولا يلبث
يوماً لا يدخل فيه مقهى أو مسرحاً! مسلم تقول له:
قم فَصَلِّ، فيقول لك: أهي بالصلاة؟ تقول له: صُمْ،
فيقول لك: أهو بالصوم؟ تقول: اذكر الله وصلِّ على
محمد، فيقول: أهي بالذكر والصلاة على محمد؟
فيا ابن اللَّخْناء، يا أحمق! إذا لم يكن الدين بالصلاة
وإذا لم يكن بالصوم وإذا لم يكن بالسنن والأذكار،
فهل يكون الدين بحضور حفلات الرقص والجلوس
إلى موائد الخمر؟
لا، نحن لا نريد أن نَحْمل الناس كلهم على
الإسلام، ولكننا نريد أن نبيّن للناس أن المسلم لا
يستطيع أن يشرب الخمر وهو مسلم، ولا يستطيع
أن يسمح لنسائه بالسفور وهو مسلم! نريد أن نعلن
براءة الإسلام من هؤلاء ((المسلمين الجغرافيين))،
الذين هم مسلمون في تذاكر النفوس وأسماء الآباء،
وكافرون فيما وراء ذلك. نريد أن نعود إلى الدين.