من الواضح اليوم أن ظاهرة التخرُّص أو الهراء تجتاح مجتمعنا؛ «مجتمع المعلومات»، و«المعرفة» الذي اتخذ فيه التسويق والدعاية أبعاداً لا سابق لها. المُتخرِّص لا يهدف إلى إثارة إعجاب الناخبين بمقدار ما يسعى إلى تسويق منظومةٍ لا يعود للحقيقي فيها أي مكان، لأنه لم يعد ينظر إلى الحقيقي بوصفه قيمة. ومن لا يحترم الحقيقة هو أيضاً يقبل أن تكون السلطة والقوة مصدراً للسيطرة. يطيب للمفكرين ما بعد الحداثيين القول أن التخلي عن الحقيقة بوصفها قيمة تترك الطريق مفتوحة أمام قيمٍ أخرى مثل التضامن أو الحس بالجماعة، لكن يمكن القول أيضاً أن عدم احترام الحقيقة، وتسويق الكلام المعسول سيؤدي إلى هيمنة الوقاحة، وعبادة السلطة، وإلى فظاظة سيطرة الأقوياء. الأحكام الأخلاقية الفكرية ليست مجرد الأخلاق فحسب، ولا هي فرع من الإبيستيمولوجيا، بل تحدد المعايير التي تؤسس لتصحيح الاعتقادات بشكل موضوعي. في هذا الكتاب، يبين باسكال إنجل أن عدم اكتراث الكثيرين من سياسيينا وصحفيينا، وأساتذتنا الجامعيين على صعيد كوكبنا، يمثل أكثر أشكال الرذيلة الفكرية نجاحاً، وينسف إمكانية تحقيق ديمقراطية حقيقية. باسكال إنجل: فيلسوف. متخصص في فلسفة اللغة والمعرفة، وله عدة مؤلفات قاسم المقداد: دكتور في علوم اللغة الفرنسية. له عدة دراسات نقدية، وترجم أكثر من خمسين كتاباً عن اللغة الفرنسية.
Pascal Engel (1954) is a French philosopher, working on the philosophy of language, philosophy of mind, epistemology and philosophy of logic. He was a professor of philosophy of logic at the Sorbonne.
يتسائل إنجل: ما هو التقييم الأخلاقي؟ ماهو التقييم الابستيمولوجي؟ كيف نحصر مجال العقل؟ كيف نميز التقييمات النظرية من التقييمات العملية؟ ما هي المفاهيم المعيارية المناسبة: المعيار ، القاعدة ، الواجب ، الخير أو الشر ، الفضيلة أم الرذيلة؟ هل الأعراف والقيم فردية أم اجتماعية؟ اعتمادًا على كيفية إجابتنا على هذه الأسئلة ، ستكون هناك أنماط مختلفة من الإيتيقا الفكرية ، بما في ذلك الاستجابات المتشككة أو العدمية ، والتي تخبرنا أنه عندما يتعلق الأمر بالإبداع الفني أو حتى العلمي ، فكل شيء مباح.
…، "يبدو أن لا مكان لفكرتي المعيار والسبب في نظرية الفضيلة، سواءً أكانت أخلاقية أم فكرية. المُنَفِّذ الذي يتمتع بالاستعدادات المناسبة أو بنوع من الطبع الجيد، لا يحتاج إلى أسباب كي يتصرف بهذه الطريقة أو تلك: يكفي أن تنجم أفعاله عن أو تمثّل هذه الاستعدادات وذاك الطبع. تقوم الفضائل، أو سمات الشخصية بدورٍ يختلف جداً عن دور الأسباب: لأن هذه السمات لا تفسر أفعالنا واعتقاداتنا ولا تسوغها. لا شك في أننا نقول أحياناً: " فلان يفعل هذا الأمر لأنه غضوب" أو " فلان صدق هذا لأنه صِدّيق"، لكن هذه السمات لا تفسر الفعل أو الاعتقاد المعنيين. وهي إسهابيّة مثلها مثل جميع الفضائل التخديرية، الحشوية. الغضب تفسره الأسباب التي دفعت الفاعل إلى الغضب، وليس لأن شخصيته غضوب. وهو صدّيق لأنه صدّق هذا أو ذاك وليس بسبب صدقيته. في حقيقة الأمر، يمكن القول إن أسباب المنفذين هي التي تفسر فضائلهم وسمات شخصياتهم، وليس العكس. مع ذلك، توجد علاقة بين الشيئين فهناك نوع معيّن من الإحساس بالأسباب يقود إلى بعض استعدادات الشخصية وسماتها، وسمات شخصيتنا تؤثر في إحساسنا بالأسباب. يمكننا عندئذ صياغة فكرة الفضيلة، ليس بلغة وظيفية وغائية فقط. بل من حيث معرفة الأسباب أو الجهل بها." (ص 181) يوضح إنجل في بحثه هذه الاختلافات الجذرية بين البنية العامة لنظرية الفضائل الأخلاقية أو المعرفية وبين نظرية المعايير والأسباب؛ فالثانية تقوم على مفاهيم وجوبية أو معيارية كمفهوم الواجب، والفرض، والممنوع، أو مفهوم الجواز. أما الأولى فتقوم على مفاهيم تقييمية، وقيمية وغائية مثل الصائب، والنافع، والرذيل، والشر، والقيم. الفضائل الأخلاقية أو الفكرية كما يراها؛ عبارة عن استعدادات أو قابليات يحولها تطورها إلى امتيازات تتوجه إلى قيمة معينة هي النافع، ويعني بالقيمة، في الحالة التي تهمه هنا، تلك التي تدخل في المجال المعرفي، أي قيمة الحقيقة والمعرفة. وبنية نظرية الفضائل هي بنية نتيجية: مثلما تهدف الغائية في الأحكام الأخلاقية إلى رفع مستوى الخير إلى حده الأقصى، فإن الغائية المعرفية تهدف إلى رفع مستوى الحقيقي إلى حده الأقصى. وهو يجد أن لبّّ الأحكام الأخلاقية الفكرية يقبع في المواقف التي نتخذها، وفي قدرتنا على الاستجابة لأسباب معرفية. وبصفة عامة تختلف إبستمولوجيا الأسباب والمعايير عن إبستمولوجيا الفضائل.
بحث مضني، كرّس فيها إنجل عدد من المفاهيم التي أعاد صياغتها أو محاكمتها عقلياً ولغوياً بفلسفة تحليلية تداولية من أجل الفهم القائم على التأمل والإفصاح الحقيقيّ.ورسالة العقل هي أن يفهم، وينتقد، ويؤثر، ويحكم، متجاوزًا الأفكار الملقنة والمرجعية المتفقِ عليها. و القارئ بحاجة لأن يفكر، ويجمع شتات عقله مع الباحث أثناء القراءة.