يحاول هذا الكتاب لفت انتباه دارسي السياسة وباحثيها، والعاملين فيها، والمنشغلين بها، والعائشين لها، إلى أهمية المجاز في فحص حقل السياسة تفكيرا وتنظيرا وتعبيرا وتدبيرا. فما ورد فيه لا يقف عند علم البلاغة وشجونه، بل يخص الاجتماع السياسي وشؤونه أيضا، واقفا على الجسر العريض الواصل بين هذين الحقلين المعرفيين، يريد أن يبلغ منتهاه، كي يكشف عن مسار ومساق مسكوت عنه، أو نادر تناوله بين الدارسين العرب الذين يتعامل أغلبهم مع السياسة باعتبارها أقرب إلى "السلعة" منها إلى "الخطاب"، تاركين الأخير لعلماء اللغة ونقاد الأدب،وإن بحثوا فيه فإنهم يحصون ما في تصريحات الساسة وبياناتهم وخطبهم من مفردات لتوزيعها على معارف وقيم واتجاهات وقضايا سياسية، لكنهم لا ينشغلون كثيرا بما فيها من مجازات.
من أجل هذا بدأ الكتاب بتحليل ما بين الكلام والسياسة من دروب، ثم عرج على اللغة بوصفها سلطة وقوة ناعمة، ليعرض بعدها معنى المجاز السياسي مارا بتعريفه في العموم، وعلاقته بالحقيقة، ليصل إلى تحليل الاستعارات التي يعوم عليها الخطاب السياسي، ضاربا أمثلة باستعارات الحرب، والنظر إلى الإنسان بوصفه آلة، وتأليه الدولة، وتجسيد المجتمع، والتعامل مع كرة القدم بوصفها راية قومية، وتصور العلاقات الدولية رقعة شطرنج، والمجتمع الرأسمالي "مولا"، والمجتمع الاشتراكي ساحة للقطط السمان، والريبة في التمويل الدولي لأنه "غزو".
وتناول الكتاب، الذي حوى في نهايته، مسردا بأهم المجازات السياسية المتداولة، مسألة المبالغة السياسية، مفرقا بينها وبين الفصاحة والبلاغة، ثم بين المقبول منها والمرفوض، وشرح جوانبها المتمثلة في الخطب الرنانة، واستدعاء الشعر السياسي، وتوظيف أفعل التفضيل، والتحريض على التطرف والتعصب، وترميز الحكام، والنفاق والبذاءة والكذب السياسي. كما تناول بلاغة الصورة وتعامل معها باعتبارها نصا سياسيا، لاسيما في مجالات الصور الجمالية، وصور الأفكار، والصور الذهنية بمساراتها المتشابهة والمتصارعة والمتعددة. وأخيرا جاء الدور على الصمت السياسي البليغ، انطلاقا من فضائه الأوسع المتمثل في الدين والحكمة، ثم تجلياته في التمنع والمقاومة والتفاوض والدعاية وبناء العقل الجمعي والعنصرية والسيطرة والثورة والصوم السياسي وتمدد الإمبراطوريات.
عمار علي حسن هو كاتب وباحث في العلوم السياسية بمصر. تخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، عام 1989، وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية عام 2001. لديه عدة مؤلفات سياسية مهتمة بالجماعات الإسلامية في مصر والوطن العربي، كما لديه عدة مؤلفات قصصية وروائية. هو عضو نقابة الصحفيين واتحاد الكتاب في مصر، وعمل صحفيا بوكالة أنباء الشرق الأوسط، ومديرا لمكتب صحيفة "البلد" اللبنانية بالقاهرة. عمل أيضاً كباحث بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بأبوظبي، ويتعاون مع عدة مراكز بحثية عربية في مشروعات بحثية، منها "مركز البحوث والدراسات السياسية" بجامعة القاهرة، و "مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام"، وأكاديمية ناصر للعلوم العسكرية في مصر، "مركز الدراسات والوثائق القانونية والاقتصادية والاجتماعية" التابع للسفارة الفرنسية بالقاهرة، مركز دراسات التنمية السياسية والدولية، في إطار مؤسسة "الصحفيون المتحدون".
أما في مجال الأدب، فقد حصل على جوائز عربية ومصرية في القصة القصيرة. كما حصل على نوط الواجب العسكري من الطبقة الثانية، أثناء تأديته الخدمة العسكرية كضابطا احتياطيا بالجيش المصري ................. الصفجه الرسميه على تويتر https://twitter.com/#!/ammaralihassan
جاء كتاب المجاز السياسي ليبين ان المجاز والاستعاره والمبالغه ليس حكرا على نصوص الشعر او السرد القصصي او الروائي ثم المقالات الادبيه بل بل جاء ليبين أن المجاز حاضر في الحياة السياسية ليتعدى مجرد جلب التشكيلات اللغوية والصور من عالم النبات والحيوان ليكون وسيلة للمكر والخداع الذي يحيط بالسياسة عبر توظيف اللغة. يعرف الدكتور يوسف وغسلي في كتابه إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد بأنه استعمال اللفظ في غير ما وضع له أصلا، أي نقله من دلالته المعجمية الأصلية أو الوضعية أو الحقيقية إلى دلالة مجازية أو اصطلاحية جديدة على أن تكون هناك مناسبة بين الدلالتين. وبناء عليه، يأتي الخطاب السياسي مشبعا بالمجاز بهدف التلاعب بأفكار الجمهور واغتصاب الحقيقة حيث توظف اللغة في لعبة الإلهاء والإغواء والإغراء وتحقيق الأهداف الوضعية أحيانا. بدءا من التضمين والتداعي والالتفات وصولا إلى المكر والخداع والمخاتلة والمناورة مرورا بالتخيل والمجاز والإبهام. فحين يقول باحث ما "كارل ماركس يهودي" فإنه قد يرمي إلى صناعة صورة أبعد من مجرد التعريف بماركس إلى جعل ذهن المتلقي ينصرف إلى كل ما تحمله الصورة الذهنية لليهود لا سيما عند المختلفين معهم ويسحبها على ماركس وفكره. هناك شبه اتفاق بين القراء أن مجال السياسة مجال يصعب فهمه لكثرة تحليلاته ونسبتها مما ينفر معظم القراء للاطلاع على المجال والقراءة فيه ويكتفون فقط بأخبار هنا وهناك. لكن يمكن أن يكون هذا الكتاب كبداية لتشجيع الناشئة على الاهتمام بهذا المجال رغم أن لغة الكتاب في البداية مملة ولكن ما أن يصل القارئ إلى الفصل الثاني حيث ينجح الكاتب في شد انتباه القارئ عندما يبدأ في إعطاء أمثلة سياسية توظف المجاز لتمرير أجندتها وتتلاعب بعقول الجماهير. فيضرب لنا الكاتب مثالا على الولايات المتحدة الأمريكية التي استعملت ترسانة استعارية لتبرير غزوها للعراق من قبيل "إعادة ترتيب المنطقة" و"الحرية للعراق" و"كسر الطاغية". كما بين علاقة السياسة بكرة القدم والأمثلة كثيرة يصعب ذكرها على كل حال. أنا أعترف أن هناك سببين سدا عني الرؤية الموضوعية لهذا الكتاب وهما احترامي الشديد لهذه السلسة وتحيزي لها وثانيها بسبب المراجع التي اعتمدها الكاتب. فقبل أن أقرأ الكتاب اطلعت على المراجع واكتشفت مدى تنوعها وجودتها. وبفضل هذا الكتاب أنا متحمس لقراءة الإصدار الآخر لنفس الكاتب المعنون الخيال السياسي لأشبع فضولي الذي يشتعل داخل صدري. أتمنى ان تكون مراجعتي المتواضعة سببا في ان تدب الفضول في نفوس من اطلعها عليها لتعجل قراءته للكتاب .