يدافع هذا الكتاب عن فكرة محورية مفادها أن العجيب ركن أصيل في الرحلة ومركز إهتمام الرحالة والمتلقي معا، نظرا لارتباط السفر عموما بتتبع الاختلاف ورصد المخالف والمفارق. ومن ثم، تعتبر الرحلات صلة وصل بين الثقافات المختلفة والمتباينة، حيث تعنى بتحديد الفروق بي
يبذل هذا العمل البحثي جهدًا ملموسًا في جمع مادّة أدب الرحلة وتصنيفها، فيقدّم للقارئ خريطة غنيّة لمسارات الرحّالة العرب والمسلمين، مدعومة بتحقيقات دقيقة وهوامش وافية. يَحسُن تقدير هذا الاشتغال الأكاديمي؛ فهو ييسّر على القارئ العابر أن يطّلع على عصارة عشرات النصوص في مجلد واحد دون عناء تتبّعها.
مع ذلك، وجدتُ نفسي أشتاق لصوت الرحّالة الأصلي، لنبض الدهشة الأولى في صفحاتهم، وهو ما يبهت قليلًا عند إخضاع النصوص لمشرط التحليل والاستخلاص. ربما يعود ذلك إلى تفضيلٍ شخصيّ، إذ أستمتع بملامسة الرحلة كما خطّها صاحبها بكل انفعالاتها العفوية.
ومع حلول هذا الوقت من العام، حين تتجدّد في داخلي رغبة السفر وتجديد الروح، جاء الكتاب رفيقًا ملائمًا؛ ذكّرني بأن للترحال أبوابًا عديدة، أحدها القراءة. لذا أراه مدخلًا قيّمًا لمن يودّ التعرّف على أدب الرحلة قبل الانغماس في أمهات الكتب الأصيلة، أو لمن يحتاج جرعة سريعة من حنين الطريق بينما يخطط لرحلته القادمة.
من يصنع العجيب وكيف لنصٍّ ما ان يُحكم عليه بالعجيب فمن يملك هذه السُلطة ، الكاتب ام المتلقي ؟ ومالذي يمكن ان يُثير القارئ في نص مألوف عند كاتبه ؟ وهل يألف المتلقي نصًا عجيبًا في نظر كاتبه ؟
كل هذي التساؤلات يطرحها الكاتب خالد التوزاني في هذا الكتاب ، ليبيّن لنا ان ادب العجيب لا تخلو منه كتب الرحلات والأسفار وان العجيب ركن متين اصيل في ادب الرحلة ويُثير اهتمام الرحالة لا لكونه عنصر جذب فقط ، بل لأن ما رآه في رحلاته كان شيئًا عجيبًا بالنسبة إليه ، وهي ايضًا محور مهم للمتلقي اذ تفتح افاق ورؤى لا محدودة وتسمح بالسفر والتنقل الى شتى البلدان والاقطار من خلال نص عجيب يجذب المتلقي ويزيد متعته للوصول الى لحظة التعايش مع الشعوب والبلدان الأخرى .
"اكثر الناس حكما على الأمور بالغرابة هم أكثرهم ترحالا، حيث يواجهون الجديد دائما ويكسرون ألفة المكان والثقافة".
بداية هذا الكتاب كانت واعدة و غمرتني بالحماسة، بالإضافة إلى جميل المعنى ورصين اللغة كان هناك الحمل اللغوي و الثقافي العربي والإسلامي، مما أمتعني حتى نهاية الفصل الأول وشعرت وأنا أقرأ أن هذا ما كنت أبحث عنه عندما بدأت قراءة فن السفر لآلان دو بوتون ولم أجده في ذلك الكتاب، ومن ثم توقعت بعد كل المقدمات والاستهلال، التركيز على سرد العجيب في عدة رحلات عربية لمختلف أقطار العالم، وكيف انعكست ثقافتهم..ثقافتنا على ما رأوه واستنبطوه، لكن مسار الكتاب تحول للتركيز على شخصية واحدة وعلى سيرتها وعلى الصوفية ومبادئها مع الكثير من الانحياز والمديح وقلة الموضوعية، وهو ما قد يكون مناسباً لدراسة بحثية أو قراءة متخصصة أما للقارىء العام مثلي فقد أصابني الملل وقلة الاهتمام، خصوصاً مع تهميش موضوع السفر والرحلات في الطرح والتركيز على مديح الشخصية وإعلائها، كما أزعجني ما جاء من بدع وشركيات تختص بها الصوفية، نسأل الله العافية والسلامة.
أعتقد أن عنوان الكتاب مضلل ربما كان من الأجدر عنونته بالعجيب في حياة ورحلات الصوفي أبو سالم العياشي أو شيء من هذا القبيل.