لقد كان فلاسفة الإسلام حريصين كل الحرص على أن يوفقوا بين الفلسفة والدين، بين العقل والنقل، بين لغة الأرض ولغة السماء، لهذا لم يفتهم أن يشرحوا لغة السماء ويوضحوا كيفية وصولها إلى سكان العالم الأرضي، ويبنوا الدين، في اختصار، على أساسٍ عقلي، فكونوا نظرية النبوة التي هي أهم محاولة قاموا بها للتوفيق بين الفلسفة والدين. والفارابي هو أول من ذهب إليها وفصل القول فيها، بحيث لم يدع فيها زيادة لخلفائه فلاسفة الإسلام الآخرين. وهذه النظرية هي أسمى جزء في مذهبه الفلسفي، تقوم على دعائم من علم النفس وما وراء الطبيعة، وتتصل اتصالًا وثيقًا بالسياسة والأخلاق. ذلك لأن الفارابي يفسر النبوة تفسيرًا سيكلوجيًا، ويعدها وسيلة من وسائل الإتصال بين عالم الأرض وعالم السماء. ويرى فوق هذا، أن النبي لازم لحياة المدينة الفاضلة من الناحية السياسية والأخلاقية، فمنزلته لا ترجع إلى سموه الشخصي فحسب، بل لما له من أثر في المجتمع. لقد تتبعنا نظرية النبوة الفارابية منذ نشأتها؛ أعني في القرن العاشر الميلادي، إلى أن وصلنا بها إلى أوائل القرن العشرين؛ ونأمل أن نكون قد وفقنا لبيان أثرها في الشرق والغرب، في التاريخ المتوسط والحديث، ونعتقد أن في هذا ما يحفزنا إلى إخباء الدراسات الفلسفية الإسلامية، فقد ثبت أن هناك صلة بين أفكار اليوم والأمس، وفي أبحاث القرون الوسطى، كما لاحظ ليبنتز، درر نفيسة لا يصح إغفالها.
كتابُ رائع، وإن يُلمح كاتبه أنه اسماعيليٌ... لقد سار مع نظرية النبوة منذ أرسطو، وتوقفًا عند أفلاطون، وشرحًا لها عند الفارابي، مع الظرفية الخاصة بهذه النظرية، ودور ابن سينا؛ المؤيد لها، واعتراض الغزّالي، في بداية الأمر، والإشارة لموافقته إياها في منقذه من الظلال، مع تحفظه على بعض ما جاء فيها، وما في العصور الوسطى، من تأثر اليهودية (موسى بن ميمون)، والمسيحية (ألبير لجراند)، وانتهاءً بالعصر الحديث، بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده؛ من المسلمين، واسبينوزا من غير العرب... خلاص الأمر، لقد تأثر الفاربي بكتابات أسطور بشأن النبوة والأحلام، وحاول تهذيب جمهورية أفلاطون، أي أسلمتها، وجعلها واقعية، لا خيالية، وتأثر بنظرية الفارابي، هذه، من جاء بعده من الفلاسفة المسلمين، من تلامذته، ومن العصر الحديث... كما تأثر بها، من غير المسلمين، من يهود ومسيحيين، وفي الكتابات الحديثة.. كتاب رائع، ومختصر، وبأسلوب سهل وسلسل.