أن يُتهم المفكرون ورجال الدين وأهل العلم بالزّندقة والخروج عن الملّة فذلك أمر يحفل به التاريخ الإسلامي، أما أن يُتهم بالزّندقة صاحبُ سموٍّ سلطاني (ولي عهد) وأن يُقتل فيما بعد بجُرم الخروج عن الملّة، والدليل الأبرز - بزعم خصومه ومُحاكميه - يقع في كتابه هذا "مَجمع البَحرين"، فذلك كان وما يزال سابقة أثارت وحتى يومنا هذا الكثير من الجدل؛ كما جعلت الكتاب يرسو في نهاية المطاف، وبجدارة، في ميناء قائمة الكتب التي قتلت أصحابها.
"مجمع البحرين" هو مصطلح قرآني اختاره الأمير المغولي دارا شكوه (1615-1659م) عنوانًا لكتابه الذي كرّسه لاستكشاف التشابهات وسبر التقاطعات القائمة بين البحر الإسلامي بعمقه الصوفي والبحر الهندوسي بعمقه االڤِدانتي. الكتاب يعد أوّل دراسة مقارنة فعلية بين المعتقدين، إن لم يكن أوّل دراسة حقيقية على مستوى العالم تؤسّس لمنهاج موضوعي ونموذجي في علم مقارنة الأديان.
تعدّ هذه النسخة أوّل ترجمة عربية للكتاب تتيح التعرّف على شخصية إسلامية استثنائية - لا نعلم عنها الكثير في العالم العربي - انكبّت على البحث عن الحقيقة ودفعت حياتها ثمناً في سبيل ذلك، كما تقدّم هذه النسخة فرصة للإطّلاع على وجهة نظر عرفانية توفيقية "جريئة"، وعن طبيعة الحراك الفلسفي والروحي الذي كان قائماً في الهند المغولية؛ والأهم تفتح نافذة، فريدة من نوعها، على فرص التسامح والتقارب وفهم الآخر الموجودة حولنا، والتي يمكن للإنسانية اغتنامها لجعل العالم مكاناً أفضل وأجمل للعيش.