حينما تصبح الرواية بديلا للجغرافيا المفقودة تواصل شهلا العجيلي، الروائية والناقدة والجامعية مشروعها الثقافي، وهذه المرة بإصدار كتاب نقدي جديد بعنوان "الهويّة الجماليّة للرواية العربيّة.. رؤية ما بعد استعماريّة" والذي تقارب فيه علاقة النصّ الروائيّ العربيّ منذ نشأته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بسياقاته الثقافيّة، إلى تحوّل الدولة الدينيّة إلى دولة قوميّة، وما نتج عن ذلك من تغيير في شكل النصّ الروائي. أي، الحالة الليبراليّة التي تشكّلت فيها هويّة النصّ الروائيّ العربيّ على أساس الفرديّة في الرؤية الجماليّة، والخروج من صناديق التيّارات والمدارس بمعاييرها الجماليّة المتعارف عليها، لا سيما خلال تسعينيّات القرن العشرين، وصدر الألفيّة الثانية. ويتوقف الكتاب أيضا عند علاقة النصوص بالمجتمعات العربيّة في تحوّلها السريع بعد الحراك الثوريّ الذي بدأ مطلع العقد الثاني من الألفيّة الثالثة إلى مجتمعات بلا مرجعيّة، بعد أن قوّضت سلطاتها الديكتاتوريّة التاريخيّة، وعمدت إلى فكرة (قتل الأب)، عمليًّا لا رمزيًّا فحسب، فتحوّلت هذه المجتمعات في فترة لا تتعدّى السنوات الخمس إلى مجتمعات تذويتيّة، أي تصنع مرجعيّاتها بشكل ذاتيّ، ومؤقّت، ومجزوء، وبراجماتيّ، بعد أن تخلّصت من مرجعيّاتها السابقة الكليّة، المتمثّلة بالسلطة السياسيّة الصادرة بشكل أو بآخر عن أيديولوجيا كبرى. وتحرص شهلا العجيلي بوعيها النقدي إلى أن الرواية هي الشكل الفني الذي عبر عن الهجنة المعرفية التي نشأت عن صدام وعيين جماليين مختلفين، عربي وأوروبي، الذي أفضى في ما بعد التنوير، إلى التخلي عن الوعي القديم التراثي النهضوي، وإلى اختيار الشكل الفني الأوروبي الجديد، حيث المغايرة تبدأ عنيفة في مراحل الثورة على الوعي الجمالي الأقدم، فقد جاءت النصوص المبكرة تحاول قطيعة معرفية مع القديم، وتستسلم لوعي الحداثة الجديد، لكنها شيئاً فشيئاً بدأت تقترب من أسئلة مجتمعها العربي، وتستفيد من تراثه السردي المتعلق بالثقافتين العالمة وغير العالمة، وتوظف كلاً من السمات الأنثروبولوجية للنسق وما تحت الأدبي فيه، في هذا الشكل الروائي الجديد. وهكذا سارت المغامرة الجمالية للرواية في خط مواز للمغامرة الاجتماعية، فتحولت الرواية العربية من مغامرة جمالية إلى تجربة تمتلك الخبرة الجمالية، ويمكن الاحتكام إليها، إذ صارت نماذجها الجمالية معيارية، وصارت بنية دالة على ذاتها، وطالت المسافة الجمالية فيها، بتمايز التجربة الاجتماعية، وبنضج النماذج الجمالية، أي بما يسمى قوة التمييز الجمالي، وقد تركت وراءها صراعات التأصيل والتغريب، وبذلك تكون هذه التجربة الجمالية قد تحولت إلى عنصر في عملية الحياة ذاتها. ثم يدرس الكتاب الخصائص الجمالية للرواية العربية، بوصفها منتجاً ما بعد استعماري، شكلت ثيمة الهوية عاملاً رئيساً في صناعة تاريخه، وأن مجموعة الحكايات التي تكون مادة النص الروائي، تصير أدلوجة للنسق الثقافي، يتحكم بها موقع الراوي، ولغته، ورؤيته السردية، حيث يصير النص بديلاً للجغرافيا المفقودة أو الجغرافيا الحلم، التي ترجوها نصوص الحراكات الثورية الأخيرة. مؤلفته الدكتورة شهلا العجيلي أستاذة مشاركة في الأدب العربيّ الحديث والدراسات الثقافيّة في الجامعة الأمريكيّة في مادبا- الأردن، ودرّست قبل ذلك نظريّة الأدب والأدب العالميّ، والأدب العربيّ الحديث وعلم الجمال في جامعة حلب، كما درّست تاريخ الفنّ، وتاريخ العمارة في الجامعة الأوربيّة في حلب. لها في النقد: الرواية السوريّة.. التجربة والمقولات النظريّة، والخصوصيّة الثقافيّة في الرواية العربيّة، ومرآة الغريبة.. مقالات في نقد الثقافة، وأبحاث عدّة في الدوريّات العلميّة المحكّمة.
الكتاب أكاديمي من الدرجة الأولى ، وكأنه سرد لتاريخ الرواية العربية أكثر من هويتها الجمالية :) على الاقل ماوصلني، وان ابرزت الدكتورة شهلا العديد من الروايات كأمثلة عن هوية كل منها مثل رواية "لاأحد ينام في الاسكندرية" لابراهيم عبد المجيد كنموذج للكتابة مابعد الاستعمار وكذلك و"بيت الارواح" لايزابيل الليندي، في حين رأت ان رواية "بابنوس" لسميحة خريس تحكي عن هوية الاخر .. لاأعلم كيف ولم بدأ تعرفي على قلم العجيلي بكتابها هذا، لكنه دون شك يستحق ، وفيه من مفاهيم ثقافية وادبية مايضيف لاي قارئ .
#تعرف الثقافة على أنها ذلك الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة، والمعتقدات، والفنون، والأخلاق ، والقانون، والعرف وغير ذلك من المقدرات والعادات التي يكتسبها الانسان بوصفه عضوًا في مجتمع. تنتمي كل من المعتقدات والاخلاق والعرف والعادات الى المغنى الانثروبولوجي للثقافة، وينتمي كل من القانون والمعرفة الى المعنى الفكري الذي لم يعد بؤرة هامة في تعريفات الثقافة، في حين تنتمي الفنون إلى المعنى الجمالي # تسهم النخبة بشكل كبير في صناعة الانساق الثقافية والتي يشكل الوعي الجمالي واحدا من مكوناتها الرئيسة ويتجلى دور هذه النخبة بوضوح في مراحل التحولات الكبرى، والمنعطفات التاريخية وذلك اذا ماحظي هذا الدور بالتدوين