تكشف لنا تجارب الحياة ومِحنها حقيقة البشر ومعادنهم؛ فيظهر لنا حظهم من الفضيلة وما يدَّعونه من مبادئ، أصيلة هي أم زائفة؟ والرواية التي بين يديك تحكي بعضًا من هذه التجارب التي تلاقت حيوات أبطالها وأقدارهم. بدأت القصة عندما سقطت الحسناء «جرجونة» وأخيها «بيبو» أمام بريق الذهب، ورضيا أن يغتصبا إرثًا كبيرًا ليس من حقهما بواسطة الاحتيال وادعيا لأنفسهما اسمين جديدين ونسبًا زائفًا، ولم يكتفيا بذلك بل انطلقا مدفوعين بأنانيتهما ليلوثا حياة الشرفاء وينغصا معيشتهم؛ حيث تسعى «جرجونة» للاستحواذ على رجل متزوج هو الكونت «دي موري» غير مُبالية بتحطيم أسرته، فتوغر صدره تجاه زوجته «لورانس» مُستغلة ظهور سر مؤلم من الماضي قد يحطم حياة والدة «لورانس» ويقضي على سمعتها، فتضطر الزوجة الطيبة والابنة الصالحة أن تفتدي بشرفها سمعة أسرتها وكرامة أمها.
- نوفيللا قصيرة، لكنها ابداع، ولست اتكلم عن البناء الروائي فقط بل عن القيمة والفضيلة والأخلاق التي تعبق بين سطورها، عن التربية الفذّة على الحق والخير، عن الإخلاص ومفهوم الكرامة والشرف ومفهوم التضحية، عن الكبرياء وعزة النفس والإباء بمقابل الوضاعة، والدناءة والخبث والمكر.. اي انها رواية انسانية لكنها حادة القطبين انكان الجيد اوالسيئ!
- الترجمة ممتازة لدرجة لا تشعرك بتعريب النص! لكنها اتت مبتورة في مكانين او ثلاثة، وسأعود للمراجعة بعد قراءة النص الفرنسي.
- ذكرتني هذه القصة بقول للإمام علي: "لا تُعاشِر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل - وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل"
من المؤسف حقاً أن القاريء لن يجد أي شيء بخصوص هذا الكاتب سوى أنه كاتب فرنسي. فدار النشر لم تكلف نفسها عناء التعريف بهذا الكاتب.. وما يزيد الأمر سوءً أنه لا يوجد عنه أي شيء عدا أنه فرنسي كما أشرنا وأنه كاتب هذه الرواية التي بين يدينا. ولا أملك أي دلالة.. لهذا التعتيم الغريب سواء كان مقصوداً أم غير مقصود عن حياة هذا الكاتب.
تتحدث هذه الرواية عن الثمن الذي قد يدفعه المرء من أجل الشرف ! وكما يوحي موضوع هذه الرواية فهي تتحدث عن زمان غابر من القرن التاسع عشر.. حين كانت ثمة قيمة ما لما يسمى بالشرف.
تبدأ الرواية في الحديث عن الأخوين بيبو وجرجونة المقفرين في مدينة نابولي الإيطالية.. وجارهما الدوق دي لوقا والذي يعاني آثار الزمان الذي أوعزه للمال والصحة بينما يعيش حياة شيخوخته كجار للأخوين.
وفي مكان آخر، الهند تحديداً، ثمة عائلة الكونت دي موري والتي كانت ابنتهم تعاني من الحمى الهندية.. والتي كانت سبباً لرغبة العائلة في السفر عائدةً إلى فرنسا. مما يؤهل الأحداث للتطور أكثر في باريس.
فالأخوين وبفضل مكر بيبو بالذات وحسن أخلاقهما مع جارهما العجوز ينجحان بحيلة في الحصول على المال الوفير ولقب نبيل وكان ذلك يتطلب منهم السفر إلى باريس. وهكذا ترتب لقاء الأخوين بعائلة دي موري التي كانت تنقصها الابنة بسبب شدة مرضها والتي منعتها عن السفر.. ولأن المخاوف كانت تتزايد من أن يمرض الأب كذلك فقد تقرر أن يسافرا معاً دون الابنة.
وبلقاء الأخوين وعائلة دي موري.. كان ما لم يكن منه بد. فقد أعجب الكونت دي موري بالدوقة دي لوقا.. والتي هي ليست سوى جرجونة. وبالطبع، هامت جرجونة بالكونت الذي لم يتبع هواه رغم رغبته. واحترم حقيقة كونه متزوجاً.. ولربما كان يعي أنه لا يزال متيماً بزوجته الأمينة المخلصة.
وأود هنا، أن أشير إلى المفارقة بأنه كان من الممكن للأخوين أن يكتفيا بهذا المكسب العظيم المتمثل بالحصول على المال.. -رغم أنه ليس من حقهما- واللقب الذي تبرع به جارهما عن طيب خاطر للجميلة جرجونة.. إلا أن النفس البشرية تواقة دوماً للمزيد. ولذلك، كانت رغبة جرجونة بالحصول على الكونت كزوج هي الدافع لأن تستغل سوء فهم الأخ لما رآه من زوجة الكونت ولقائها بذلك الشاب في بيت الشاب.. وطلبه منها مبلغاً كبيراً من المال في مقابل الحصول على مجموعة من الرسائل كانت في حوزته. من البداهة طبعاً أن يظن المرء في هذه الرسائل أنها رسائل غرام بين الكونتيسة وعشيقها. وأنه يساومها على فضيحتها في مقابل المال.
وكان من الممكن أيضاً، أن يكتفي الأخوان بحصول جرجونة على الكونت زوجاً.. إلا أن بيبو أراد قطعة من الحلوى النبيلة المتمثلة بعائلة دي موري.. فطمع بالزواج من ابنة الكونت بوليت رغم أنه لم يلتقِ بها أبداً.. صحيح أن جرجونة لم تكن متحمسة إلى ذلك بل عدته ضرباً من الجنون إلا أن ذلك ليس لأنها لم تشأ أن تغالي في الطمع بل لأنها لم تكن تظن أن ذلك أمر ممكن.
إذن، ما أوصل الأخوين إلى هذه النهاية.. هو أن عطشهما لم يتوقف بالإرتواء باللقب والمال.. لقد تحول الظمأ إلى جشع.. وهو بالضبط، ما أودى بهما إلى مثل هذه النهاية.
لا أود أن أكشف عن حبكة الرواية.. فالرواية قصيرة ولا تتجاوز المائة صفحة بكثير.. لكنني أود أن أعلق على مسألة في الأسلوب.. فقد كان ميالاً في كثير من المواضع إلى الإختزال.. مما دفعني إلى الشك بأن تكون هذه رواية قد تم اختصارها -كما هو الحال مع كثير من الأعمال الروائية- أثناء عملية الترجمة. لكنني لا أملك أي دليل على ذلك عدا ذلك الإختزال الكثير في أحداث الرواية.
باختصار، الرواية لا بأس بها حقاً.. بل وقد أدهشتني. وقد أسفت حقاً لعدم تمكني من إيجاد أي معلومة عن هذا الكاتب.
تجاوزت القصة حدود المنطق في اعتمادها على الصدفة في أحداثها، وعلى غرابة بعض مساراتها. ومع ذلك لم تفقد جماليتها أبدًا؛ لأن الرسالة التي حملتها كانت منطقية جدًا، بل إن غرابة الحدث نفسه جعلت الرسالة أكثر وضوحًا وتأثيرًا.
فالشر دائمًا يجد طريقه عبر نقطة ضعف في النفس، يدخل ثم يتمدّد، ويشرع في التدمير الصامت. أليس هذا ما حدث حين ضعف الكونت أمام جمال “جرجونة”، فدخلت هي وأخوها بشرورهما إلى تلك العائلة التي كانت تُكلّلها العفة وطيب الأصل؟
أمام هذا الضعف أصبح الكونت كمن يحمل سيفًا لا عقلًا؛ يضرب يمينًا وشمالًا بلا بصيرة، فيصيب زوجته وابنته ويجرح نفسه أيضًا.
هذه القصة تختصر لنا دروسًا في النفس البشرية احتاج علم النفس عقودًا طويلة ليحلّلها ويصوغها في نظريات. كل هذا لخّصه المثل الشعبي:“ظنِّي بغيري كظني بنفسي”. هو، في سريرته، كان قد خان زوجته، فكان من السهل عليه أن يتّهمها بالخيانة ويسقط آثامه عليها. في لاوعيه كان يريد الظفر بجرجونة، لذلك كان اتهام الزوجة بالخيانة سبيلًا إلى الوصول لهواه.
ثم هو يعلم في داخله أن “جرجونة” لا تملك الخلق النبيل، بما أنها أغوت رجلًا متزوجًا، وهي نفسها تعلم ذلك. ولو أنه قتل زوجته حقًا، لشعرت “جرجونة” بالخطر على نفسها، ولربما فرت هاربة.
هكذا تُحاك خيوط الشر في النفس بخيوط غير مرئية للناس، ولكنها واضحة جليّة للمتبصرين.
وأخيرًا لا بد أن أثني على المترجم؛ فقد أبدع في نقله وترجمته حتى تكاد تشعر أن النص كُتب باللغة العربية أصلًا.
عن التضحية بالنفس في سبيل بر الأم وعن بذل الغالي والنفيس للحفاظ على حياة الابنة، قوة النص واختصار الأحداث وعمق المعنى ستشعر بكل ذلك وأنت تقرأ هذا الكتاب، القصة انسانية رائعة وفي رأيي هي قصة قصيرة أقرب ماتكون من الرواية "100 صفحة".
كم من الزوجات المثاليات اللواتي دفن مع ماضيهن اسراراً لو انبعثت من قبورها لسببت من الشقاء والتعاسة" "ما يحول الحياة البشرية الخاضعة للأنظمة الاجتماعية القاسية الى جحيم ناره اشد تأججاً من نار جهنم - ألفونس دنري
بعيداً عن القصة وبدايتها وحبكتها ونهايتها اعتقد ما كنت لأستمتعت بالرواية لولا مهارة الكاتب من الناحية اللغوية و مهارة نقولا رزق الله من الروايات التي تحبها لجمال لغتها لا لجمال احداثها او شخصياتها
كم من الزوجات المثاليات دفن مع ماضيهن أسرار لو انبعثت من قبورها لسببت من الشقاء والتعاسة مايحول الحياة البشرية الخاضعة للأنظمة القاسية إلى جحيم ناره أشد تأججاً من نار جهنم.
ولئن كان الظفر بالعدو فوزاً, فالظفر بالنفس فوز أعظم!