وهنا تذكرت أن ثمة شيء مهم جدا قد فاتني، وحمدتُ الله أني تذكرته قبل فوات الأوان، وهو أن ألتقط بعض الصور لي مع العقاد توثيقا لهذا اللقاء، فاستأذنته على الفور في أن أفعل، فأجابني: ـ لا مانع عندي، ولكن هل لديك كاميرا؟ وحتى لو لديك فمن الذي سيصورنا في هذا الوقت؟ أجبته وأنا أخرج هاتفي من "جيب" البنطال الذي أرتديه: ـ الأمر أيسر مما تتخيل أستاذنا، هذا هاتف محمول، له خصائص كثيرة لا حصر لها، أولها الاتصال بأي شخص في أي مكان في العالم، وأبسطها التقاط عدد مفتوح من الصور في لحظات. وكما توقعتُ فقد غزت الدهشة جميع ملامحه، فالتقط الهاتف من يدي ثم راح يسألني وهو يتفحصه بعينيه متعجبا: ـ هل تذكر لي بعض هذه الخصائص التي يقدر عليها هذا الشيء الصغير؟
عنوان العمل: العقاد في القرن الحادي والعشرين الكاتب: عادل الجندي دار النشر: المكتبة العربية للنشر والتوزيع عدد الصفحات: 173 (تشمل المقدمة)
هذا العمل كنتُ أنتظره بحماسةٍ كبيرة؛ وذلك لأنني أحب قلم أ. عادل، ولأنني أحب العقاد، فكيف إذا اجتمع الاثنان معًا؟! ورغم ذلك فقد استغرقت قراءته وقتًا طويلًا لأسباب سأذكرها لاحقًا. تدور أحداث العمل عندما قابل الكاتب -عادل الجندي- العقاد في أثناء سيره ليلًا، فهل رآه حقًا؟ إذن كيف تقابلا؟ بل كيف أتى العقاد إلى زماننا؟ وكيف سيكون اللقاء بينهما؟ لغة العمل قوية، وذلك عهدي بلغة أستاذ عادل. لغة جميلة؛ غاية في القوة والفصاحة، سلسلة إلى حدٍ كبير، وممتعة، فكنت أعيد قراءة بعض السطور لا لشيء إلا أنني أحببتُ تركيب بعض الجمل فأردت أن أعيدها مجددًا، وهي لغة مناسبة لمحتوى العمل إلى حدٍ كبير؛ فنحن أمام حوارٍ ممتع جميل بين أديب أزهري، وعملاق الفكر العربي. يغلب الحوار على العمل؛ بل العمل أساسه حوار أجراه الكاتب مع العقاد كي يتعرفه بصورةٍ حيادية، ويعرف آراءه وأفكاره وما يحب وما يكره. فنحن أمام كتاب يتناول سيرة العقاد أكثر منها رواية، ولكنه كتاب ممتع، أو رواية ذكية، أو نوفيلا، أو اختر التصنيف الذي يعجبك. الكتب أو الروايات التي أفضلها هي التي تعرض لمحات من حياة كُتَّابٍ آخرين أو تشير إلى كتب أو روايات أخرى، وفي ذلك العمل كان يشبع تلك الحاجة؛ فالنص زاخر بالحديث عن الأشخاص الذين قابلهم أو عرفهم العقاد في حياته وكان لهم تأثير كبير في الحياة الأدبية أو الفكرية، وبالتالي هناك الكثير من الكتب المُشار إليها بصورةٍ ذكية فلا تبدو مقحمة داخل صفحات الكتاب، وقد أحببتُ ذلك كثيرًا، وهو ما جعلني أقرأ الكتاب في وقتٍ أطول إذ كنتُ أتوقف بين الحين والآخر وأبحث عن كاتب ما ذُكر في أثناء الحوار، أو أجلس لساعةٍ مثلًا أتأمل قول العقاد في موضوعٍ ما وأرى إلى أي مدى كان صائبًا أو إلى مدى رأيتُ رأيه كذلك. كنتُ أتفاعل مع النص كأنني حاضرة بينهما بالفعل في ذلك المجلس، وأنصت بتركيز إلى كلمة تقال كأنني طالبة تتلقى العلم عن شخصين عظيمين كالكاتب والعقاد.
الكتاب مقسمٌ إلى ثلاثة أقسام أو فصول: الفصل الأول تمهيد يعرض حب الكاتب للعقاد، وبداية اللقاء، والفصل الثاني هو بداية الحوار بينهما يسأل أ.عادل عن العقاد وحياته وأفكاره والعقاد يجيب، أما الفصل الثالث فقد خُصص لمعرفة رأي العقاد -كما لو كان بيننا- في الحياة الأدبية التي نعيشها الآن، وقد كان ذلك الفصل أكثر إيلامًا، كنت أضحك وبداخلي حسرة ومرارة؛ عندما تقارن بين الحياة الأدبية في الفصل الأول والفصل الثاني تجد البون شاسعًا بين ما كنا عليه وما نحن عليه الآن؛ ولذا فالفصل الثاني هو أكبر الفصول، أما الفصل الأخير فقصير؛ فأي كلامٍ قد يقال عن تلك "المهزلة"؟
الكتاب مناسب للجميع: لحديث العهد بالقراءة، وللقارىء المتوسط والمخضرم، وللكاتب، وللقارىء، ولكل من يحب العقاد، ولكل من لا يحبه، هذا الكتاب لكل من أراد أن يدفع عن نفسه "الأمية الثقافية".
الكتب الجميلة هي التي عندما نغادرها نشعر بحزنٍ وكأننا غادرنا صديقًا عزيزًا، وقد شعرتُ وكأنني غادرت صحبة العقاد، وقد كان ذلك محزنًا إلى حد كبير.
أتشوق لقراءة الرواية وأتمنى أن تصدر منها نسخة العام القادم تكون زيارة جماعية للعقاد نستغني فيه عن الصورة الذاتية بمصور يجمع الزوار.. تكون طبعة مزيدة بمداخلات القراء مع العقاد وإجاباته كما تصوروها