حرّك صوته هواء الصيف الراكد، وحوّله إلى عاصفة هادرة، كنست غبار الشارع ورفعته إلى أعلى، وجعلته يدور حول نفسه حتى أصبح كتلة مرنة. خرجت ولاء من بين الغبار. كان جسدها أثيريًا ومُجسمًا، لكنه انفجر فجأة، وكشف عن سيدة التعريشة. كانت تنظر نحوي وتبتسم، ثم تلاشت لتظهر هالة، ثم نجفة، ثم مُنى، ثم مُنى أخرى، ثم نغم وشروق، ثم ناهد، ثم فاطمة؛ ثلاثية الحضور ومثلثة العظمة. صنعن حلقة كبيرة، تدور في الهواء صعودًا وهبوطًا، قبل أن يلتحمن ويصنعن صورة جديدة، لفتاة تشبههن جميعًا في الروح والملامح. جسدها عملاق وهش. جناحاها يشبهان سحابة شفافة. رقصت عارية على صفحة السماء الزرقاء، مثل سالومي. كانت تدور حول نفسها وترفرف بجناحيها وتصعد إلى أعلى. مدّت يدها نحوي، وكانت يدي ممدودة. رفعتني عن الأرض، وسحبتني إليها. أدخلتني في كيانها الساخن بعد أن صرتُ غُبارًا. امتزجنا. نعشق سوا، وندوب سوا. صنع المزيج كيانًا أكثر خفة وهشاشة. ثم حكم علينا الهوى، فاستسلمنا لجبروت الرياح، وطرنا على جناحها. قبضت جاذبية الأرض على الغبار وسحبته إلى أسفل، فتحولنا إلى مادة شفافة كالروح، بلا كتلة أو اتجاه. فتحت عيني، بعد زمن طويل، فرأيتُ بقايا الصورة مُعلقة في الهواء، والملامح تذوب في ضوء الفجر، والغبار يغطي ملابسي وشعر رأسي ولحيتي، وعلى كفي رائحة البكارة.
الحياة متاهة الجميع، ولكل شخص متاهته الخاصة التي عليه أن يجتاز دروبها خلال حياته. لكن أن تنصب لك ذاكرتك الفخاخ، وتلقى بك في شرك ذكريات الماضي والطفولة القاسية، هو أصعب متاهة يمكن أن يختبرك بداخلها القدر. يتحول ماضيك إلى حقل ألغام، فتنفجر في وجهك الذكرى تلو الأخرى، بعد أن كنت تظنها حجرًا صلبًا ثابت المعالم والتفاصيل.
يصحبنا بطل رواية "متاهة مونيكا" في رحلة إلى ماضيه لنبحث معه عن ذاته وما الذي أوصله إلى حافة الانهيار. تراوغه ذاكرته بعد أن كانت حصنه ودرعه فيما قبل. نكتشف في ماضيه الكثير من الألم والحيرة والحسرة والعمل الشاق، وبعض الحب الذي يغير مسار حياته. ترغب في أن تمد يدك إليه لتساعده وتأخذ بيده، لكن قدره أن يجتاز متاهته وحده.
من الممكن أن نعتبر هذه الرواية شاعرية اللغة، استكمالًا لمشروع الكاتب السردي الذي بدأه بروايات "والنار" و"قبلة النهايات السعيدة"، و"حبيبتى مروة"، حيث يربط هذه الروايات البطل الذي يروي لنا في كل مرة جزء من أفكاره ومعاناته في مرحلة أو مراحل من حياته؛ فنتعرف على مشاهد من طفولته وشبابه ونضجه ومشارف شيخوخته، إلى أن نتوحد مع معاناته. واستخدام الكاتب ضمير المتكلم، يضاعف إحساسنا بهذه المعاناة، فنشعر أن صوته صوتنا وصرخته صرختنا، نعيش أفكاره وأزماته التي قد تتماس بالفعل مع أفكارنا ومواقف حياتنا.
يحتفي نصر عبد الرحمن في روايته بالبساطة، ويمُعن في الإغراق في المحلية؛ حيث المدينة الهادئة شبه الريفية، وتفاصيل الحياة اليومية للشخص العادي البسيط، والحكايات الشعبية، وغيرها من التفاصيل شديدة الخصوصية بعالمه. ومع ذلك، يستخرج لنا من منجمه الخاص وحكاياته البسيطة، الكثير من المعاني العميقة والكبيرة، ويناقش العديد من الأفكار الفلسفية والوجودية، وسخرية الأقدار.