ما فَتِئ بعضُ خُصوم ((اللِّسان الْعرِبِيِّ)) يُرَدِّدُون أنّه لسانْ مَيَّتْ. ويُمْكِن، جَدَلًا، لِلْمَرْء أن يُصَدِّقَهم فيَزْعُمَ أنّ ما يُلْفَظ أو يُكْتَب الْآن بهذا اللّسان لَا يَعْدُو أنْ يَكُونَ رِسالةً في لُغةٍ مَيِّتةٍ. فأَنْتَ، إِذَّا، أَيُّها الْقارئُ ما إِنْ تَفْتَحْ هذا ٱلْمُؤَلْف حتّى تَصِيرَ أمامٍ مَكْتُوبٍ هو بِمَثابةٍ رِسالةٍ إلى مِن يَهُمُّه الْأَمْرُ، رسالة اسْتُعْمِل في كَتابتها لِسانٌ يَظُنّ بعضُ النّاس أنه لُمْ يَعُدْ ثَمّة أَيُّ ناطقٍ يَتَكَلَّمُه أَوْ يَفْهَمُه في الْحياة الْيَوْمِيّة! فَيَا أَيُّها الْقارئ الْكريم، كأَنَّك -وأنتَ الْحَيّ النّاطق!- بصدد قراءةٍ رِسالةٍ مَكْتُوبةٍ في لُغةٍ مَيَّتةٍ، لُغةٍ كانتْ تُسَمّى ((الْعربيّة))، وهي لُغةً يُقال -واللّه وحده أعلمٍ!- بأنّ قبائلَ شتِّى بشِبْه الْجَزيرة العربيّة» قد اسْتعمَلَتها لُغةً مُشْترَكةً بينها مُنْذ أواسط الْقرن الْخَامس بعد مِيلَاد الْمَسيح ((عيسى)) (عليه السّلَام)، وبأنّها عَرَفتْ آزْدِهارًا كبيرًا مُنذ قيام الْإِسْلَام في بداية الْقَرْن السَّابع حيث صارتْ -بعد نَحْوِ قرنَيْن من ذالك- اللّغةَ الأساسيّةَ في حضارة عالميّةِ امْتدّتْ من حُدود الصِّين شرقًا إلى (شبْه الْجَزيرةَ الإيبِيريّة» غربًا (الأنْدلس)، وذلك طيلة ثمانية قُرون تَقْريبًا ! ولَا رَيْب في أنّك ستَرَى أنّه من عجيبِ الْمُفارَقاتِ أن تُكْتَبَ رِسالةٌ بلِسانِ ما عادَ يَتكلّم به أحدً! ورُبّما يَكُون كاتبُ هذه الرِّسالة (وقارِئُها أَيْضًا) آخِرَ الْأَحياء النَّاطِقين بذالك أَلِّسان اللَّذِي قد تَكُون رسالتي هذه آخِرَ ما يُكتَب به ... ولَنْ يَغِيبَ عنْك أنّني قد أَكُون واهِمًا إلى الْحَدّ آللَّذِي لَمْ أَتَبَيَّنْ أنّ الْكتابةَ في لُغةٍ مَيَّتة تَمْرِينٌ غيرُ مُجْدٍ إِلَّا لِمَنْ قَصْدُه أن يَلْهُوَ أو يَعْبَث. لَاكِنْ، قد تَسْتغربُ كيف أنّني رُبّما أقلّ وَهُمَّا ليس مِمَّنْ لَا يزال يَكْتُب مُؤَلَّفاتٍ أو يُتَرْجِمُها في لُغةٍ مَيّتةٍ، بل مِمَّنْ يَعْتقد أنّها كذالك، ثُمّ تَجِدُه يَكْتُب بها مَقالَاته (و، أيْضًا، شهادته التَّأبِينيّةَ فيها) كأنّه قد عَدِم الْوسائلَ فلَمْ يَبْقَ له سواها لتَأْكِيد مَوْتها، بل كأنّه لَا يُحْيِيها بالْكتابة فيها إلّا بقَدْر ما تُسْعِفُه لِلتَّعْبِير عن مَوْتها غير الْمَأْسُوف عليه عنده!