تمل كثرة الإلزامات والإكراهات التي تعيش فيها، بحيرة من الطين تعيقها وتعرقلها عن التقدم ولو بمقدار خطوة، تستشعر هياجًا في عقلها، وفورانًا في قلبها، لابد من التحرر ولو قليلًا، الانعتاق ولو بمقدار ساعة، يجب أن تثور ولو كانت ثورة مؤقتة سرعان ما تتلاشى، ويتلاشى أثرها..
مجموعة قصصية
فكرة الغلاف: أ ميرفت أمين تنفيذ الغلاف: د بولا وجيه إشراف عام: رباب الشهاوي
بداية، وبكل أمانة، هذا الكتاب تعجز معه آليات النقد وأدواته، إذ أنني كلما حاولت مراجعته أو تناوله، أجدني كمن يحاول عبثا القبض على الهواء، وكلما جاهدت في تلخيصه شعرت كما لو أنني أحمق يظن بإمكانية لف فيل في منديل. لأن "أريدها حياة" حالة وجدانية، والمشاعر يتعذر وصفها أو التعبير عنها بالكلمات، ربما التعبير عنها ممكنٌ فقط بالموسيقى، لكني مع الأسف لم أتعلم هذي اللغة. لذا فقد قررت أن أكتفي بنقل انطباعاتي عنها.. أن أتداعى بلا وعي كما تداعت بطلة قصة "كورنيش العجائب" من المجموعة إلى سرب فراشات.
في فاصل مفتاحي يقول: "سألتني ، و أجمل ما فيها أنها تسأل دوما: - قهوتك؟ - ما بين المضبوطة و الزائدة .. - بمعنى؟ - أريد أن تمتزج حلاوة السكر بمرارة القهوة فلا أكاد أبين من أيهما شيئا .. أريد أن يتفاعل الحلو والمر ، يتشاكسان، يتصارعان، يصطرعان، فلا يصرع أحدهما الآخر .. أريد أن يحتار لساني حين يتذوق ، وعقلي حين يترجم الطعم، فلا ينفذا لقرار .. هل هذه مرارة ؟ هل هذه حلاوة؟ أم شيء بينهما ، فوقهما، دونهما؟.. أريدها مربكة ، معطلة ، متسامية في حلاوتها و مرارتها أو في طبيعتها الثالثة .. أريد أن يحمل قدح القهوة كل الاحتمالات الممكنة ما بين الحلو و المر ، موزعة توزيعا محسوبا ، مضبوطا ، متجانسا .. أريد قدحا من القهوة حين يسقط لا يكون سقوطه خيرا ، بل نارا وشرارا و شرا مستطيرا .. فانقلابه انقلاب للحياة و نهايته حد لهذا العالم .. أريدها عالما ، أريدها حياة عادلة .. ".
هكذا صنع العمل، كقدح قهوة يحمل كل الاحتمالات الممكنة ما بين الحلو والمر، سوناتا رائعة من آلتين، عزف بين بين، بين الجمال والقبح، البهجة والبؤس، العقلاني والروحاني، تارة يهدأ الرتم ويعزف لحنا شجيا، وتارة يضطرب ويتسارع كسوبرانو مجلجل ينذر بسقوط وشيك في الجحيم. أريدها حياة عبارة عن كولاج سردي - كما يظهر على غلافها - لمشاهد ولوحات وحكايات ورسائل وحوارات وخيالات من هنا وهناك، ليعبر بطلاقة وفي صفحات مقتضبة عن ماهية الحياة، من عدة منظورات متباينة.
هي تجربتي الثانية مع الكاتب، بعد روايته "اللزج" والتي قد تغزلت فيها في منشور سابق، خصوصاً لتماشيها و ذائقتي وتلامسها مع بعض أفكاري، ولكن "أريدها حياة" في رأيي أكمل - كبناء سردي متماسك تخدم كل أجزاؤه البناء الكلي - وأهم - لا تلعب في عالمها الموازي المتخيل فقط بل تضيف لعالمنا ومنظورنا بأسلوب واع وتؤثر فيه - لذا فقد نالت عندي العلامة الكاملة.
وبالحديث عن رواية اللزج، قد نرى حضور بطلها "خالد" جليا في صفحات المجموعة، خصوصاً في بعض فواصل فصلها الأول - التي تقطع قصص المجموعة أحياناً وتربطها أحياناً، أو تأتي كشروحات أو هوامش أو جمل اعتراضية في أخر - والذي أزعم أنه ملازم للكاتب كظله وانعكاساته في المرايا، يحمل بعضا من سمومه وذكرياته وفلسفته وحيرته وكوابيسه وهواجسه.
كما قلت، المجموعة تستهدف الوصول لمعنى الحياة، تقلبها، تعصرها وتستجوبها بشتى الطرق لتبوح عن جوانبها وبواطنها، في ثلاثة فصول. أول فصلين وكأنهما انشطارٌ لعقل منفصم، متصارع بين الوجودية والعدمية، كسمكتي الين يانج.
الفصل الأول - وهو الأكبر - غالبه أمل يتخلله بعض الأيس، جمال يشوبه بعض القبح.
فمثلا نجد في القصة الأولى (الباب) : بمشهد إفتتاحي أحالني - لسبب ما - لفيلم taxi driver وعزفت بداخل رأسي أنغام الساكسفون الخاصة بالفيلم. ربما لأن القصة تبدأ بإيماءة "سائق تاكسي"، أو ربما لأن عقلي يربط دوما بين القاهرة ونيويورك، التي وصفها لوركا قائلا: " هذا ليس شارع وإنما الجحيم.". اغترب ١٠ سنوات ليعود إلى مدينته بحنين، يظن أنها ستستقبله بحفاوة فاتحة ذراعيها له كابن ضال، بينما هي من ضلت ، ١٠ سنوات كانت كافية لتجعله يرى بعيني الغريب الصيرورة التي آلت إليها المدينة الكبرى.. فرصة لنقدها بعين لم تألفها، وما بين باب خشبي بدّلته الأيام بآخر حديدي بعشرة أقفال وحضن عمٍّ لا يزل دافئا، نرى روح المدينة.
وفي قصة ذات طابع سيريالي (كورنيش العجائب) : فتاة من طينة غير الطينة، تجسد الفطرة، ثائرة على محيط يرفضها وترفضه، تقرر التحرر التام، حتى من وعيها، تتذكر البيت الشعري لألبرتو كاييرو: "هل امتلاك الوعي أرفع من امتلاك اللون؟". وتتماهى بنزعة غنوصية مع الطبيعة بمباركة من النيل. وفي فاصل سريالي يخلق تناصا معها، يخلع شاب رأسه ويتراكله، لم يصب هدفه، لكنه يتخلص من ثقل وجبرية الوعي.
وفي قصة (سنة الحياة) : يتناول ثنائية الحياة والموت، يدوران كأفعى تأكل ذيلها، في حيٍّ كأي حي، ينقص أسبوعيا ويزيد، يزدحم بصوانات العزاء واجتماعات كتب الكتاب والحنة والسبوع، مع كل أفول ميلاد جديد، وتستمر الحياة. كالفاصل الذي يشرح كيفية صنع قدح القهوة الذي يحاكي التوليفة الدقيقة والمثالية للحياة.
وفي (خطاب إلى إليزا) : يخلق الاسم تناصا مع مقطوعة بيتهوفن Für Elise ، بينما هي رسالة يروي فيها جورج داوسون - الذي تعلم الكتابة في ال٩٠ من عمره وألف بإصرار كتابا life is so good - حياته بتكثيف، يلخصها في صفحتين ونصف، لنلمح فيها ومضة أمل وإمكانية بتحقيق الأحلام ولو بعد حين.
وفي قصة (الذي فقد والده مرتين) : نرى مشهدا متخيلا غاية في الحميمية، يهرول لمكتبته ليهدي روايته لأبيه، يجدها بعد بحث لكنه لا يجده. يحاكي فقدان الأحبة الذي نعايشه كل يوم، لكنهم أحياء فينا، ونحن امتداد لهم، مرثية مؤثرة تُهوّن الفراق.
وهناك فاصل (الملحمة)، والذي يروي في صفحة مكثفة رحلة البشرية، البدائية فالحداثة فما بعدها. رحلة الشقاء والسعي والألم، والتي تنتهي بمسحة روحانية زاهدة في كل شيء. وفي فاصل (الأطلال) كرسائل كافكا وميلينا، على أنغام السنباطي وعندلة أم كلثوم نرى محاورة بين حبيبين، تثور النظرة السوداوية العدمية للحبيب كحمم بركانية، تخمدها كلمة من حبيبته "أحبك" كشلال ماء. و(برمين) ثنائية العشق والإلهام. و(أفكار سخيفة لتمضية أوقات الفراغ) ومعادلها في فاصل تلصص.
والمزيد.. **** في الفصل الثاني، تجد النقيض، وكأنك فتحت كوة مطلة على الجحيم، فتهب في وجهك ألسنة اللهب، تلفح رأسك وتعصف بذهنك ووجدانك. يبدأ بقصة (السجين) : عشق وحبس وعذاباتهما؛ ظلمة وجوع وحرمان وجرذان وعلقم وزقوم، وكجري نظم الإيقاع، حتى في ذاك الجحيم المطبق يلوح لنا بصيص نور وحرية.
وفي قصتي (القبلة) و(والقيء) - وهما بالمناسبة من أعظم القصص التي قرأتها في المطلق - يصنع فيهما تنويعات على الجمال والقبح، الرغبة والتوق وغضاضة إشباعهما. إحداهما تبدأ - رمزيا - بتفاحة وتنتهي بقضمها فتستحيل عفنا في فيه، والثانية تبدأ من حيث انتهت الأولى كنظير معكوس؛ ببراثن بلعها وتنتهي بالخلاص بإستفراغها. وكذا في قصة (القلعة)، التي جاءت كمحاولة لحل المعضلة السابقة، تغيير في الترتيب، تقديم وتأخير للإشباع، تتبيله بشعارات مثالية، تنتهي بتحطمها على نفس الصخرة؛ تعددت السبل والتراتيب، والرغبة واحدة.
وقصة (مخاتلة) والتي كانت نوعا ما كنظير لفاصل (تلصص) من الفصل الأول. المراقب/ة في صمت، كتمان العشق.
أذكر أيضا واحدة من أجمل قصص المجموعة (وينساب الطريق)، مشهد تتقاطع فيه الأزمنة، الماضي والحاضر والمستقبل، العمر، الصبا والكبر، أوقف فيها محمد سمير رجب الزمن وكاد يلتقط لحظة مثالية تصنع كمالا أبديا.. لكنها تمر وتنفلت من بين أنامله كحبات رمل.
أما عن الفصل الثالث فقد جاء في رأيي كمهادنة، مصالحة أخيرة، كطي الصحف، لذا فقد كانت رحلة قصيرة عبر أروقة المكتبات وأرفف الكتب.. بحثا عن قيم وجماليات، والجمع بين المتخاصمين والتوفيق بين التضادات، يلوذ في النهاية بالكتب والحب، بهما تحتمل الحياة.
*ختام: أظن أن أقصى ما بوسع كتاب إحداثه في نفسك، أن يثير فيك مشاعر الحسد؛ لأنك لست كاتبه.
عن تلك اللحظات العزيزة، عن الحميمية التي نشأت بيني وبين القصص وكأنها كلها تقرأني أنا..
عن تأمل الحروف والكلمات ذات السحر العجيب الذي يشبع نهم متذوقيه..
عن الحياة الحقيقية، وعن شغف القراءة السرمدي وتجلياتها والنفس تُبحر معها، وتسمع صدى صوتها يذوب داخلك كالسلسال..
أُولعتُ بهذا التصوير الثري للحياة من خلال مجموعة قصصية نابضة لا تعرف التجمد بأي حال من الأحوال، إنما تدب في عروقها الحياة طوال الوقت وبصورة مطلقة، ويزداد القلب تدفقًا بنبض الحياة كلما توغل فيها..
هل صادفتكم يومًا كلمات تخبركم بأن الحياة جميلة وبسيطة ومدهشة!!
عن "أريدها، حياة" أتحدث.. للمبدع Mohamed Samir Ragab
الكتاب : أريدها حياة الكاتب : د.محمد سمير رجب دار النشر : الفؤاد للنشر والتوزيع الغلاف : 4 من 5 تصميم الغلاف : د.بولا وجيه تقييم العمل : 4 من أصل 5 درجات عدد الصفحات : 97 صفحة النوع : مجموعة قصصية فى أغلب الاوقات يكون حجم العمل له ىعامل كبير على اختيار القارئ له ، خاصة عندما يكون القارئ مبتدئ فى القراءة ولكن بعد قراءة هذه المجموعة لا بد أن يعلم القارئ أنه لا علاقة للحجم بالاجادة فاليوم نحن امام مجموعة قصصية رغم قلة عدد صفحاتها الا انها تحوى بين طياتها لغة وسرد عظيمين ، فى اقل من ساعة استكعت ان انتهى من هذه المجموعة الرائعة والتى استطاع الكاتب ان يجعلنى متلهف لقراءة كل فقرة فيها لامتع نفسي بها ، كنت اتمنى ان يطول العمل اكثر من ذلك حتى يستمر معي الاستمتاع لوقت اطول ولكن قدرى ان ينتهى العمل وأقوم بالبحث عن آخر لعلى أجد فيه متعة مماثلة
بداية، وبكل أمانة، هذا الكتاب تعجز معه آليات النقد وأدواته، إذ أنني كلما حاولت مراجعته أو تناوله، أجدني كمن يحاول عبثا القبض على الهواء، وكلما جاهدت في تلخيصه شعرت كما لو أنني أحمق يظن بإمكانية لف فيل في منديل. لأن "أريدها حياة" حالة وجدانية، والمشاعر يتعذر وصفها أو التعبير عنها بالكلمات، ربما التعبير عنها ممكنٌ فقط بالموسيقى، لكني مع الأسف لم أتعلم هذي اللغة. لذا فقد قررت أن أكتفي بنقل انطباعاتي عنها.. أن أتداعى بلا وعي كما تداعت بطلة قصة "كورنيش العجائب" من المجموعة إلى سرب فراشات.
في فاصل مفتاحي يقول: "سألتني ، و أجمل ما فيها أنها تسأل دوما: - قهوتك؟ - ما بين المضبوطة و الزائدة .. - بمعنى؟ - أريد أن تمتزج حلاوة السكر بمرارة القهوة فلا أكاد أبين من أيهما شيئا .. أريد أن يتفاعل الحلو والمر ، يتشاكسان، يتصارعان، يصطرعان، فلا يصرع أحدهما الآخر .. أريد أن يحتار لساني حين يتذوق ، وعقلي حين يترجم الطعم، فلا ينفذا لقرار .. هل هذه مرارة ؟ هل هذه حلاوة؟ أم شيء بينهما ، فوقهما، دونهما؟.. أريدها مربكة ، معطلة ، متسامية في حلاوتها و مرارتها أو في طبيعتها الثالثة .. أريد أن يحمل قدح القهوة كل الاحتمالات الممكنة ما بين الحلو و المر ، موزعة توزيعا محسوبا ، مضبوطا ، متجانسا .. أريد قدحا من القهوة حين يسقط لا يكون سقوطه خيرا ، بل نارا وشرارا و شرا مستطيرا .. فانقلابه انقلاب للحياة و نهايته حد لهذا العالم .. أريدها عالما ، أريدها حياة عادلة .. ".
هكذا صنع العمل، كقدح قهوة يحمل كل الاحتمالات الممكنة ما بين الحلو والمر، سوناتا رائعة من آلتين، عزف بين بين، بين الجمال والقبح، البهجة والبؤس، العقلاني والروحاني، تارة يهدأ الرتم ويعزف لحنا شجيا، وتارة يضطرب ويتسارع كسوبرانو مجلجل ينذر بسقوط وشيك في الجحيم. أريدها حياة عبارة عن كولاج سردي - كما يظهر على غلافها - لمشاهد ولوحات وحكايات ورسائل وحوارات وخيالات من هنا وهناك، ليعبر بطلاقة وفي صفحات مقتضبة عن ماهية الحياة، من عدة منظورات متباينة.
هي تجربتي الثانية مع الكاتب، بعد روايته "اللزج" والتي قد تغزلت فيها في منشور سابق، خصوصاً لتماشيها و ذائقتي وتلامسها مع بعض أفكاري، ولكن "أريدها حياة" في رأيي أكمل - كبناء سردي متماسك تخدم كل أجزاؤه البناء الكلي - وأهم - لا تلعب في عالمها الموازي المتخيل فقط بل تضيف لعالمنا ومنظورنا بأسلوب واع وتؤثر فيه - لذا فقد نالت عندي العلامة الكاملة.
وبالحديث عن رواية اللزج، قد نرى حضور بطلها "خالد" جليا في صفحات المجموعة، خصوصاً في بعض فواصل فصلها الأول - التي تقطع قصص المجموعة أحياناً وتربطها أحياناً، أو تأتي كشروحات أو هوامش أو جمل اعتراضية في أخر - والذي أزعم أنه ملازم للكاتب كظله وانعكاساته في المرايا، يحمل بعضا من سمومه وذكرياته وفلسفته وحيرته وكوابيسه وهواجسه.
كما قلت، المجموعة تستهدف الوصول لمعنى الحياة، تقلبها، تعصرها وتستجوبها بشتى الطرق لتبوح عن جوانبها وبواطنها، في ثلاثة فصول. أول فصلين وكأنهما انشطارٌ لعقل منفصم، متصارع بين الوجودية والعدمية، كسمكتي الين يانج.
الفصل الأول - وهو الأكبر - غالبه أمل يتخلله بعض الأيس، جمال يشوبه بعض القبح.
فمثلا نجد في القصة الأولى (الباب) : بمشهد إفتتاحي أحالني - لسبب ما - لفيلم taxi driver وعزفت بداخل رأسي أنغام الساكسفون الخاصة بالفيلم. ربما لأن القصة تبدأ بإيماءة "سائق تاكسي"، أو ربما لأن عقلي يربط دوما بين القاهرة ونيويورك، التي وصفها لوركا قائلا: " هذا ليس شارع وإنما الجحيم.". اغترب ١٠ سنوات ليعود إلى مدينته بحنين، يظن أنها ستستقبله بحفاوة فاتحة ذراعيها له كابن ضال، بينما هي من ضلت ، ١٠ سنوات كانت كافية لتجعله يرى بعيني الغريب الصيرورة التي آلت إليها المدينة الكبرى.. فرصة لنقدها بعين لم تألفها، وما بين باب خشبي بدّلته الأيام بآخر حديدي بعشرة أقفال وحضن عمٍّ لا يزل دافئا، نرى روح المدينة.
وفي قصة ذات طابع سيريالي (كورنيش العجائب) : فتاة من طينة غير الطينة، تجسد الفطرة، ثائرة على محيط يرفضها وترفضه، تقرر التحرر التام، حتى من وعيها، تتذكر البيت الشعري لألبرتو كاييرو: "هل امتلاك الوعي أرفع من امتلاك اللون؟". وتتماهى بنزعة غنوصية مع الطبيعة بمباركة من النيل. وفي فاصل سريالي يخلق تناصا معها، يخلع شاب رأسه ويتراكله، لم يصب هدفه، لكنه يتخلص من ثقل وجبرية الوعي.
وفي قصة (سنة الحياة) : يتناول ثنائية الحياة والموت، يدوران كأفعى تأكل ذيلها، في حيٍّ كأي حي، ينقص أسبوعيا ويزيد، يزدحم بصوانات العزاء واجتماعات كتب الكتاب والحنة والسبوع، مع كل أفول ميلاد جديد، وتستمر الحياة. كالفاصل الذي يشرح كيفية صنع قدح القهوة الذي يحاكي التوليفة الدقيقة والمثالية للحياة.
وفي (خطاب إلى إليزا) : يخلق الاسم تناصا مع مقطوعة بيتهوفن Für Elise ، بينما هي رسالة يروي فيها جورج داوسون - الذي تعلم الكتابة في ال٩٠ من عمره وألف بإصرار كتابا life is so good - حياته بتكثيف، يلخصها في صفحتين ونصف، لنلمح فيها ومضة أمل وإمكانية بتحقيق الأحلام ولو بعد حين.
وفي قصة (الذي فقد والده مرتين) : نرى مشهدا متخيلا غاية في الحميمية، يهرول لمكتبته ليهدي روايته لأبيه، يجدها بعد بحث لكنه لا يجده. يحاكي فقدان الأحبة الذي نعايشه كل يوم، لكنهم أحياء فينا، ونحن امتداد لهم، مرثية مؤثرة تُهوّن الفراق.
وهناك فاصل (الملحمة)، والذي يروي في صفحة مكثفة رحلة البشرية، البدائية فالحداثة فما بعدها. رحلة الشقاء والسعي والألم، والتي تنتهي بمسحة روحانية زاهدة في كل شيء. وفي فاصل (الأطلال) كرسائل كافكا وميلينا، على أنغام السنباطي وعندلة أم كلثوم نرى محاورة بين حبيبين، تثور النظرة السوداوية العدمية للحبيب كحمم بركانية، تخمدها كلمة من حبيبته "أحبك" كشلال ماء. و(برمين) ثنائية العشق والإلهام. و(أفكار سخيفة لتمضية أوقات الفراغ) ومعادلها في فاصل تلصص.
والمزيد.. **** في الفصل الثاني، تجد النقيض، وكأنك فتحت كوة مطلة على الجحيم، فتهب في وجهك ألسنة اللهب، تلفح رأسك وتعصف بذهنك ووجدانك. يبدأ بقصة (السجين) : عشق وحبس وعذاباتهما؛ ظلمة وجوع وحرمان وجرذان وعلقم وزقوم، وكجري نظم الإيقاع، حتى في ذاك الجحيم المطبق يلوح لنا بصيص نور وحرية.
وفي قصتي (القبلة) و(والقيء) - وهما بالمناسبة من أعظم القصص التي قرأتها في المطلق - يصنع فيهما تنويعات على الجمال والقبح، الرغبة والتوق وغضاضة إشباعهما. إحداهما تبدأ - رمزيا - بتفاحة وتنتهي بقضمها فتستحيل عفنا في فيه، والثانية تبدأ من حيث انتهت الأولى كنظير معكوس؛ ببراثن بلعها وتنتهي بالخلاص بإستفراغها. وكذا في قصة (القلعة)، التي جاءت كمحاولة لحل المعضلة السابقة، تغيير في الترتيب، تقديم وتأخير للإشباع، تتبيله بشعارات مثالية، تنتهي بتحطمها على نفس الصخرة؛ تعددت السبل والتراتيب، والرغبة واحدة.
وقصة (مخاتلة) والتي كانت نوعا ما كنظير لفاصل (تلصص) من الفصل الأول. المراقب/ة في صمت، كتمان العشق.
أذكر أيضا واحدة من أجمل قصص المجموعة (وينساب الطريق)، مشهد تتقاطع فيه الأزمنة، الماضي والحاضر والمستقبل، العمر، الصبا والكبر، أوقف فيها محمد سمير رجب الزمن وكاد يلتقط لحظة مثالية تصنع كمالا أبديا.. لكنها تمر وتنفلت من بين أنامله كحبات رمل.
أما عن الفصل الثالث فقد جاء في رأيي كمهادنة، مصالحة أخيرة، كطي الصحف، لذا فقد كانت رحلة قصيرة عبر أروقة المكتبات وأرفف الكتب.. بحثا عن قيم وجماليات، والجمع بين المتخاصمين والتوفيق بين التضادات، يلوذ في النهاية بالكتب والحب، بهما تحتمل الحياة.
*ختام: أظن أن أقصى ما بوسع كتاب إحداثه في نفسك، أن يثير فيك مشاعر الحسد؛ لأنك لست كاتبه.