من صعوبات الكتابة في عالمنا العربي أنَّ الكتابات التي لا معنى لها تُرفعُ إلى مصاف المقدَّس، ويُجرّم مَنْ ينقدهاء في حين تفقد الكتابة ذات المعنى قيمتّها لدى المتلقي، فيدثر نفسّه بالأوهام. يا لها من عبثية حين يتوقف معنى الكلمة على المتلقي، فما جدوى ما نكتبه إذن؟ أهو مقاومة للموت أم تشبّث بالحياة؟ الموتى لا يكتبون، ولكننا نكتب لموتى مضوا ولبشر لم يولدوا بعد. ما جدوى الكتابة في زمن لا ينتهي، بينما تنتهي فيه الحياة؟ يصعُب إيجادُ أجمل ما كُتب في أدب الرّحلة، فأجمل الرّحلات لا تدوّن وما يَخفى أكثر مما يُفْصَحٌ عنه، ويترك للقارئ الفطِن أن يقرأ ما لم يكتب..
يتناول الكاتب الفلسطيني في بداية كتابه جزء بسيط من طفولته في مصر بعد تهجير عائلته من فلسيطين ، فيروي من روح الذاكرة صوت الشوارع و روائحها و الحادث المؤسف الذي تعرّض لهُ صغيراً .ثمّ يستطرد من بعدها بعض من رحلاته بين مُدن العالم حيث يحلّ ضيفاً على أرضها مسطراً بلغة منمقة و جميلة أسرارها و ما استظل به خاطره و شاهدتهُ عينانه ، فنقع بمهارته في سحر و جاذبيّة صحراء الجزائر إلى قسوة و برودة مدينة مونتريال في كندا. تجد في الكتاب معلومات مثيرة عن تاريخ المُدن و أكلاتها الشعبية و أهم شخصياتها التاريخية بدون أسهاب مُمل.
الكتاب قصير و لطيف ، يعيبه فقط ذكر الكاتب للنساء بطريقة أراها شخصياً مبتذلة تُفسد انسيابية اللغة و السرد.
من إن تسافر في أرجاء العالم، حتى تراودنا مقولة جبران خليل جبران، في إحدى دموعه وابتساماته "فما أحب الحياة إلينا وما أبعدنا عن الحياة". هكذا هي متعة تجارب الأسفار تعيد التفكير في داخلك، الحقيقة المؤكدة كوننا ضيوف على هذه الحياة وسنرحل. أحد ضيوف هذه الحياة وهو الكاتب الفلسطيني محمد يوسف خضر الذي ولد القاهرة بعد هروب عائلته من ويلات النكبة عام ١٩٤٨، ومن هذه المحطة تأتي ضيافة الحياة اللطيفة.
يوثق هذا الكتاب عن أسفاره المختلفة وبشكل خاص في مصر، ليست مصر الطفولة التي كانت حادثته المؤلمة، ويعالج ألمها من ألم إلى ألم أخر. بل مصر الرُشد في أرجائها المختلفة حيث يخرج من قوقعة الطفولة ويستكشفها استكشاف سائح خطا خطاها للمرة الأولى، إنه "يَتَمَصَّر" من جديد، ثم تأتي الأسفار الحقيقية، من وداع مونتريال، ووله إسطنبول، وصعود ادنبره، وعشاء كوبنهاجن، وصحراء الطوارق الكبرى. ونهضة فاس وشجرة تونس المباركة، وتبلغ نهاية الرحلة في مسندم.
أسفار سيستمتع بها القارئ المبتدئ في أدب الرحلات نظرا لاستخدامه الأسلوب المباشر في الكتابة. ولكني استمتعت بها مع قرائتي لكتب أدب الرحلات المختلفة، فهذا النوع من الكتب يعتبر استثنائيا، إنه سفر في سرد، سفر الامتعة بين البلدان وسفر القراءة بين الكلمات، في كل الأحوال ستستمتع، وكما يقول الاقتباس في مقدمة الرواية "انطلقوا أيها الرحالة، فأنتم لستم نفس الأشخاص عند بدء الرحلة ! "