ما أريد أن أشير إليه هنا عدة نقاط مهمة وردت في الكتاب، وهي:
1) مسألة القضاء والقدر مسألة إشكالية للإلهي والمادي على حدّ سواء. فالإثنان يؤمنان بسيادة مبدأ العلية وبأن نظام الأسباب والمسببات حاكم على العالم وجميع الحوادث والوقائع فيه. ولهذا فليس من الزاوية العملية والإجتماعية فرق في هذه المسألة بين الإلهي والماديّ. ويكمن الفرق في:
أن المادي يرى أن القضاء والقدر أمرٌ عينيّ خارجيّ صرف، أي أنَّ مصير أي موجود يُعيّنُ لدى علله الماضية دون أن تعلَمَ هذه العللُ بما لديها من دور وخاصيّة.
أما القضاء والقدر في نظر الإلهي عينيّ وعلميّ فهو يرى أن سلسلة العلل الطولية (العلل فوق الزمان) تَعلَمُ بعملها وخواصها. وتسمى بالكتاب واللوح والقلم و ... وصولا إلى علة العلل الواجبة الوجود.
ومن هذا المنطلق، فإن الإيمان بالقضاء والقدر لا يساوق الجبر، وهو لا يعني الا ابتناء نظام السببية العامة على أساس العلم والإرادة الإلهية مع العلم أن كون النظام السببي مستقلا بذاته أو غير مستقل لا تأثير له على مسألة المصير والحريّة الإنسانية.
2) لا يرى الشهيد مطهري معنى لوجود التعارض بين الآيات التي تتكلم عن القضاء والقدر بل يقول أنه لا نجد في القرآن الكريم آية واحدةً تحتاج إلى تأويل حتى أشد الآيات تشابها، وهذا الجانب هو أروع وجهٍ إعجازيّ في القرآن الكريم.
والتعارض الظاهري الموجود بين الأحاديث النبوية يمكن تفكيكه بالحديث عن "العوامل المعنوية" من زاوية النظرة الإلهية فقط. فإن هناك عوامل روحية ومعنوية تقف إلى جانب العوامل المادية مؤثرة في الأجل والرزق والسلامة والسعادة، وبالتالي فإن عالَم الحوادث سوف يتّخذُ تشكيلاتٍ أعقدَ وروابِطَ أشملَ وأكثر. ومثل هذه الارتباطات لا يمكن تفسيرها إلا على أساس النظرة الإلهية حيث تُعَدُّ وتُجعَلُ جزءًا من الروابط العليّة والمعلوليّة. ولهذا، كان الدعاء أحد علل هذا العالم المؤثرة في مصير الإنسان، فيمنع وقوع الحوادث ويوجِدُ بعض الحوادثِ: الدعاءُ يردُّ القضاءَ ولو أُبرِمَ إبرامًا.
لكنه يوضح إذ يقول: توضيح مهم:
ونحنُ هنا لا نستطيعُ دراسةَ كيفيّةِ تأثير الأمور المعنويّة في المجالات الماديّة، وتوضيح أساليب العليّة والمعلوليّة لهذا الموضوع. فإنّ هنا آراءً فلسفيّةً دقيقةً تنسجمُ تمامًا مع التعبيرات الدينية كما أنّا لسنا في مقام بيانِ شرائط تأثير العلل المعنوية بمعنى أن الدعاء مثلا أو الصدقات أو غمط حقوق الآخرين، تحت أي ظرف يمكنها أن تُوَلِّدَ ردود فعلٍ مُعيّنة.. ويمكن أن يكون توضيح هذا الأمر مع ملاحظة القضايا والمشاهدات التجريبية لأفراد الإنسان سببًا لتأليف كتابٍ ضخمٍ.
3) يرى الشهيد مطهري إمكانية تغيير القضاء والقدر لكن بحكم القضاء والقدر؛ أي التغيير يكون بنفسِهِ حلقةً من حلقات العليّة.
فمعنى أن علم الله قابل للتغيير أي أن له أحكاما قابلة للنقض، وأن النظام السُّفلي وخصوصا الإرادة والعمل الإنساني بل الإرادة الإنسانية لا غير يمكنها أن تهزّ العالم العلويّ وتسبّب تغييرات فيه، ويمثّل هذا أسمى سلطة للإنسان على مصيره. ويعرج بعدها بلمحة خاطفة على البداء عند الشيعة الإمامية.
4) خاتمة: كل النظام اللانهائيّ للعلل والأسباب مبنيٌّ ومنبعثٌ من الإرادةِ والمشيئة والقضاء والقدر الإلهي وإنّ تأثير هذه العلل والأسباب وعِليَّتِها هو بنفسه – بنظر معيّن – عَيْنُ تأثير القضاء والقدر وعِلِّيَتَهِ.
ومن هنا فإنه من الباطل حقًا أن يُقال: ما الشيءُ الذي هو من فعل الله وما الشيءُ الذي هو ليس فعله؟ ومن الخطأ أن يقال للشيء إنه ليس من فعل المخلوق بعد أن نسب إلى الله أو العكس.
إن تقسيم العمل بين الخالق والمخلوق أمر باطل. وإن كل شيء هو فعل الله في نفس الوقت الذي هو فعل الفاعل والسبب القريب له.