السيرة التي تخرج للنور، لأول مرة مترجمة للعربية، إضافة إلى صور ووثائق نادرة من حياة كونديرا. يُجسِّد هذا الكتاب، سيرة ثريّة، لحياة كاتب عالمي لطالما اندهش قرّائه من عوالمه الروائية المتقنة. كما تكمن أهميّته، في أنه (ميلان كونديرا – 90 عامًا) للتوّ استعاد جنسيّته التشيكيّة، إضافة إلى اعتذار رسمي عن حملات الهجوم والمطاردة التي تعرّض لهما من النظام السابق في تشيكوسلوفاكيا. هو الذي جُرّد منها عام (1979)، وهو خارج وطنه، فعاش من لحظتها، سنوات منفاه الكثيرة، كاتبًّا ومدرّسًا للأدب، مستمتعًا بقدرٍ كبير من الحرية في التعبير، دون أن يتخلى عن حذره المستمر من أجهزة النظام، حتى وهو يرسل رسالة مرمّزه عبر بريده. يراجع هذا الكتاب أرشيف تلك المرحلة الغامضة من مسيرة روائي وفيلسوف، لم يكن يسمح لعدسة كاميرا بأن تلتقطه، أو لصحفي متلصص بأن يقترب منه. وهو عبارة عن سلسة تحقيقات، مزّودة بصور، ووثائق تظهر للمرة الأولى، اجتهدت الصحفية الشهيرة (أريان شومان) في ملاحقتها، وتسجيلها عبر مراحل مختلفة، ثم منحها سبقًا حصريّا لصحيفة اللوموند الفرنسية.
الكتاب جميل وفيه معلومات كتير اول مرة اعرفها عن حياة كونديرا الشخصية "المليئة بالأحداث المهمة"، والسياسية وكواليسه في كتابة ونشر اعماله. بدايةً من طفولته ووالده الموسيقار وعازف البيانو وسبب حبه للموسيقى وتأثره بها اللي بيظهر في رواياته. مرورا بشبابه ونشاطه الشيوعية، ولقاءه الأول بحبيبته وزوجته ڨيرا وعلاقتهم، وبعدين مشاكله مع الحزب الشيوعي ومع الدولة، وسفره إلى فرنسا، وبداية كتابته باللغة الفرنسية وعلاقته بناشريه ومترجمين رواياته ووكلاء أعماله. ومؤخرًا بيوافق هو وڨيرا على رجوع الجنسية التشيكية ليهم تاني بسبب حنينهم إلى وطنهم اللي استحوذ عليهم. وبيستعيد جنسيته وهو عنده 90 سنة، بعد 40 سنة من المنفى بعد ما جرده النظام الشيوعي من الجنسية التشيكوسلوفاكية في 1979 بيستعيد جنسيته في 2019، وهو بجنسية مزدوجة دلوقتي. انا سعيد جدًا بالكتاب، وسعيد بكم المعلومة اللي عرفتها عن العظيم جدًا ميلان كونديرا، خصوصا أنه ماكتبش سيرة ذاتية عن نفسه وقال في لقاء صحفي له "تريد أن تعرفني؛ اقرأني!" لأنه كان بيسيب جزء منه في رواياته، ودايما بعيد الصحافة والاضواء والكاميرات ومالوش الا صور قليلة معظمها زوجته هي اللي صورتها له.
«هل أنت شيوعي يا سيد (كونديرا)؟» - لا، أنا روائي. «هل أنت منشق؟ - لا، أنا روائي». «هل أنت مع اليسار أم مع اليمين؟» - لا هذا ولا ذاك. أنا روائي.»
صاحب المزحة (كونديرا) يعتبر من الكتاب القلائل اللي مكتبوش سيرتهم الذاتية، وقال في حوار صحفي له قبل كده بالحرف: تريد أن تعرفني؛ اقرأني! واللي قرأه عارف انه سايب جزء منه في كل عمل كتبه مع الخلط بين الواقع والخيال بأسلوبه الساخرة اللي اتعودنا عليه. هتلاقيه سايب موقفه من ربيع براغ في شخصية "توماس" في عمله الأهم (كائن لا تحتمل خفته)، هتلاقيه سايب موقفه من الهجرة وشعوره بالغربة في (الجهل)، هتلاقيه سايب موقفه الوسط الأدبي في رواية "البطء"، وهلم جراً..
في الكتاب ده استقصاء صحفي محترم بيتتبع خط سير حياة ميلان كونديرا، بدءً بميلاده وطفولته في مدينة "برنو" في تشيكوسلوفاكيا مرورا بأهم المحطات المحورية في حياته زي طرده من الحزب الشيوعي مرورا بمراقبة السلطة له مرورا بفقدانه لوظيفته كأستاذ جامعي مرموق واللي اضطر وقتها يكتب توقعات الأبراج في مجلة شبابية، لحد ما قدر بمساعدة دائرة معارفه في فرنسا، للسفر والاستقرار نهائيا بصحبة زوجته (ڤيرا).
فيه رصد دقيق وممتع لعلاقة كونديرا بالكتاب الآخرين واللي أنا شخصيا استغربت انه كان على صلة بيهم زي سلمان رشدي وغارسيا ماركيز روث وفوينتس وغيرهم. وفيه جزء عن علاقة ميلان بترجماته اللي بيشرف عليها بنفسه كلمة كلمة. كونديرا بيعتبر الترجمة جريمة وبتقتل روح النص، وفيه جمل بحالها صياغتها اتغيرت اثناء ترجمته، واللي خلاه كونديرا يكتب في جزء من ثلاثيته عن الرواية (الوصايا المغدورة): «أيها المترجمون، لا تمارسوا اللواط بنا».
فيه جزء عن علاقته بڤيرا واللي متقلش جمالا عن علاقة سراماغو ببيلار، حيث تقول ڤيرا: «كنت أشكو من الكئابة البوهيمية (نسبة إلى بوهيميا). كتب ميلان كتاب الضحك والنسيان حتى لا أكون حزينة» ليرد كونديرا في هذا الصدد: «أكتب لتضحك (ڤيرا)» كونديرا بيعتبر نفسه كاتب كوميدي وساخر بامتياز، حتى أنه شايف أدب كافكا بكل ما فيه من سوداوية وكئابة لا يخلو من الكوميديا.
صاحب المزحة، الكائن الذي لا تحتمل خفته، المنشق، سارتر الجديد (سارتر المعادي للأيديولوچيا) على حد تعبير البعض.. كلها اسماء لكونديرا اللي في رأيي أعظم من كتب الرواية، ونقول لمؤسسة نوبل ملكيش في الطيب نصيب. كتاب من أمتع وأجمل ما يكون ويخلص في قعدة برشحه لأي حد.
في هذا الكتاب رأيت ميلان كونديرا من منظور آخر، ويبدو أن حياته تزخر بتفاصيل أكثر مما ذُكر هنا. وأترقّب أن تصدر في المستقبل سيرة ذاتية أعمق تتناول جوانبه اليومية، وتتوسع في الحديث عن زوجته - فيرا كونديرا - التي شدّتني شخصيتها في هذا الكتاب، إذ لا تقل فرادةً عن شخصية زوجها.
تلف خاتمًا وهميًا حول إصبعها : << لو كُنْتُ أمتلك الخاتم السحري …… >> يُطاردها بيت لــ "فيكتور ديك" الشاعر التشيكي ، حيثُ يكون "الوطن" هو المتكلم فيه : << إذا تركتني فلن أموت ، إذا تركتني فسوف تموت >>
الإشارة السابقة عن (فيرا هرابانكوفا) الزوجة الثانية للكاتب التشيكي ميلان كونديرا.
ولد كونديرا عام 1929م لعائلة تشيكية ، تعد من النخبة الفنية و الاجتماعية في بلاده. كان والده مدرسًا مرموقًا للبيانو ، لذا حرص على أن يحصل كونديرا على تعليم و تدريب موسيقي على مستوى متقدم.
درس كونديرا في براغ، و أصبح محاضرا في الأدب العالمي. كما انتمى إلى الحزب الشيوعي الحاكم ، لكنه سرعان ما واجه متاعب سياسية بسبب مؤلفاته، التي بدت خارج التيار الأدبي السائد، و كانت روايته "المزحة" – و هي رواية ساخرة تقدم نوعا من الكوميديا السوداء نُشرت عام 1967م – وراء فرض حظر على كتاباته في تشيكوسلوفاكيا سابقًا - .
في 1970م أُجبر على الاستقالة من الحزب بعد إعلان دعمه حركة ربيع براغ . عندما فقد عمله و بقي بلا مورد مالي عمل على عزف البوق مدة ، قبل أن يُهاجر إلى فرنسا في عام 1975م مع زوجته فيرا ، حيث استقرا في البداية في مدينة رين ثم انتقلا منها إلى باريس. كان هو في 46 من عمره ، و هي بــ 39 .
الكتاب لم يحقق عميقًا في ميلان كونديرا ، من هو ؟ ماذا يُريد ؟ ، لقد أثر المنفى عليه و جعله لا يثق بالكثيرين ، فلا يُعبر كثيرًا عن نفسه ، فالمخابرات و أصحاب البدلات لم يدعوه و شأنه حتى و هو بعيدًا عن موطنه. لقد زرعوا منزله بالكاميرات و أجهزة التنصت ، و قد سجلوا حتى لحظاته الحميمية مع زوجته ، و هو أمر أزعجه لقد اضطر للخروج من منزله ليقول لزوجته ما يريد قوله .
في عام 2019م و هو في التسعين من عمره تم إعادة منحه و زوجته الجنسية التشيكية بعد أكثر من أربعين عامًا قضاها في فرنسا ، و أصبح لديه جنسيتين الفرنسية و التشيكية .
توفي الكاتب التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا (2023/7/11م) عن عمر 94 عام في باريس ، حيث قضى أكثر من نصف عمره بعيدًا عن وطنه.
بعد قراءة الكتاب تأكد لي أن الدكتاتورية الحكومية تكون مزعجة حتى في أكثر البلدان تقدمًا وَ الحرية ، و الفكرية حكرًا على الحكومات فقط و من والاهم . و أن الوطن قد يكون خانقًا و يصبح سجنًا حتى في المكان المسمى منزل .
كما قال فيليب سولريس صديق كونديرا ( الذي ترجمة روايته دار الرافدين ب اسم رغبة) حياة كونديرا مليئة بالتراجيديا احببت الكتاب وسيرة ميلان مثلما احببت رواياته
كتب ميلان كونديرا: "نخرج من مرحلة الطفولة دون أن نعرف ما هو الشباب�� نتزوج دون أن نعرف ما هن الزواج، وعندما نتقدم في السن لا نعرف إلى أين نحن ذاهبون. وبهذا المعنى فإن أرض الإنسان هي كوكب قلة الخبرة".