يسعى هذا الكتاب إلى تقديم عرض مبسط للمثقف غير المتخصص حول مداخل تفسير الصراعات، وكيف تنشأ وتتطور، وكيف يُتخذ قرار السلوك الصراعي من خلال صنع السياسات الخارجية للدول، مع التركيز على تحليل أثر الدين في نشأة الصراعات وتطورها.
ويتضمن في ثنايا معالجاته تطبيقات عملية متعددة لما يتضمنه من نظريات ومفاهيم، مع التوسع قدر ما تسمح به المساحة في سرد الأمثلة والشواهد.
وهذا الإصدار يمثل الجزء الأول من الكتاب، وهو متعلقٌ بـ (النشأة والدوافع)، حيث يتضمن الكلام عن نشأة الصراع، من خلال مداخل التفسير وصنع السياسات الخارجية.
وأما الجزء الثاني فسيتضمن -إن شاء الله- مراحل تطور الصراع، ونماذج تفكيك وتحليل الصراعات، والنظريات المستخدمة في إدارتها، وتكتيكات المناورة والفوز والتحكم فيها.
كتاب هندسة الصراع النشأة والدوافع المؤلف أحمد فهمي دار أفاق المعرفة يقع الكتاب في ٢٩٨ صفحة📚. ويتكون من ١٠ فصول 👌
هنالك مداخل ونظريات تفسر الصرعات والحروب ، من أبرزها نظرية تسمى (المجال الحيوي) وتفترض أن الدولة كائن حي ، عبارة عن وحدة عضوية من السكان والأرض ، وأنها تنمو مثل الكائنات الحية ، ونموها مرتهن بمقدار الحيز المكاني الذي تتحرك وتتفاعل فيه، وأن الدولة تبدأ في الانحلال والتدهور عندما تهمل التفكير مساحياً.
لماذا تثور الصراعات وتتفجر الحروب هنا وهناك ، تاركة وراءها ملايين من الضحايا والمعذبين؟ هذا السؤال ربما تبدو إجابته سهلة للكثيرين ، لكنها في واقع الأمر بالغة التعقيد، فالأسباب والدوافع التي تفرز صراعات وأزمات وحروبًا كثيرة ومتنوعة للدرجة التي يصعب حصرها، حتى على مستوى صراع واحد في كثير من الأحيان.
هذا هو موضوع الكتاب: تحليل وتفكيك أساليب «هندسة الصراعات» الدولية. إن هندسة الصراع ليست عملا لا أخلاقيًا بإطلاق، بل هي مجرد آليات ونظريات وتكتيكات يرتبط الحكم عليها بمعرفة خلفياتها وأهدافها الحقيقية، فلا توجد دولة تخوض صراعًا لكي تُهزم، أو تخسر، فالأصل أن الدول تسعى للفوز بالصراع أّياً كانت الوسائل التي تسلكها في سبيل ذلك.
الصورة الإيجابية لهندسة الصراع؟ من أجل الفوز بما يتوافق مع المنظور القيمي الأخلاقي» تبرز في حالتين: الأولي: أن يكون موضوع الصراع حقًا مسلوبًا مغتصبًا. في هذه الحالة لا مناص عن طلب الفوز والتضحية في سبيل ذلك بما يناسب الحق الضائع ، وليس بما يتجاوزه. الثانية: أن يكون موضوع الصراع خلافياً، يتعلق بوجهات نظر متفاوة, وحقوق مبهمة. هنا تكون تسوية الصراع بمنزلة فوز لجميع الأطراف، وفق إستراتيية «الكل يربح»؛ ويكون الفوز بمعنى: إدارة عملية التسوية بما يحقق أفضل نتيجة ممكنه، بأقل خسارة ممكنة، درءًا للمفاسد وتجنبُّا للضرر، دون اهدار لحقوق الآخرين. الصورة السلبية ل«هندسة الصراع» -وهي الغالبة للأسف في الصراعات الدولية- تتضمن: - أن تسعى دولة ما إلى تفجير صراعات بين دول أخرى. - أو التحكم في صراعات محددة وفق آلية معينة. - أو أن تخوض صراعات محسوبة مع عدو تتولى هي نفسها صناعته أحياناً بغرض تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.
-الصراع بصفة عامة هو: وضع بين طرفين أو أكثر ، يوجد بينهما تناقض في المصالح، ويتم التعبير عن هذا التناقض من خلال اتجاهات عدائية، ومحاولة الحصول على -أو تحقيق- هذه المصالح من خلال تصرفات أو إجراءات تؤدي إلى الأضرار بالأطراف الأخرى، سواء كانت بين أفراد أو جماعات أو دول، وتتفرغ هذه المصالح إما حول الموارد المادية، أو السلطة والنفوذ أو الهوية، أو المكانه والكرامة، أو حول القيم بما ترتبط به من ثقافات وأديان.
بعض الدراسات المتخصصة تقسم الصراعات الدولية إلى خمس فئات هي : ١- الصراعات حول الأرض. ٢- الصراعات حول الاقتصاد ٣- صراعات تشكيل الدولة. ٤- صراعات إيديولجية. ٥-صراعات التعاطف الارتباط الإنساني (الدين، والعرق، والطائفة، إلى آلخ).
أغلب الباحئين يعدٌون مفهوم الصراع أوسع من مفهوم النزاع أو الخلاف، فالنزاع هو أدنى مرتبة أو مستوى من مستويات الصراع، وأقلها حدة أو أبسطها، قد يتطور أو يظل فى حدوده الدنيا.
(الفصل الأول : أيها الشعوب .. الموت راحة لكم ) المدخل الأول في تفسير الصراعات الدولية هو المدخل النفسي السيكولوجي : يفترض هذا التفسير أن الصراعات التي تتورط فيها دولة ما، تكمن أسبابها الأساسية في العوامل والنوازع النفسية.
(الفصل الثاني : أيها الأبيض .. استعد حملك الثقيل) وفقًا للمدخل الأيديولوجي في تفسير الصراعات؛ فإن التناقضات الأيديولوجية بين القوى العظمى الكائنة في المجتمع الدولي تمثل الحقيقة الكبرى التي تنبع منها وتدور في خلفيتها كل أشكال الصراعات. مصطلح «أيديولوجيا» يرتبط بالثقافة الغربية بصفة أساسية، فهو تعبير عن تركيبة من الأفكار والمعاني التي تجعل من الصعب ترجمة هذا المصطلح إلى لغة أخرى بكلمة واحدة مطابقة، فهو أصلًا مكون من كلمتين يونانيتين: إيديا بمعنى فكرة، ولوجوس بمعنى علم .
وقد أصبح لهذا المصطلح في العلوم الإنسانية تعريفات متعددة وتطبيقات يصعب حصرها لكنه بصفة عامة يتضمن العناصر الآتية: - مجموعة من الأفكار والمعاني والمفاهيم والقناعات التي تقدم تفسيرًا للحياة والمجتمع والبيئة المحيطة. - خطاب عاطفي جماهيري. - تحديد للسلوك السياسي والاجتماعي. - التوجه لتحقيق أهداف وطموحات تتجاوز أحيانًا نطاق دولة المنشأ إلى المجتمعات والدول الأخرى.
كانت «الماركسية» هي سبب شيوع استخدام هذا المصطلح في القرن الماضي، فقد عدَّ المفكرون الغربيون أن (الشيوعية) تحمل في صميم أفكارها منهج صراع يتبنى حتمية الحرب مع المعسكر الرأسمالي الغربي.
يمكن تقسيم الأيديولوجيات من حيث تأثيرها إلى ثلاث مجموعات من الأيديولوجيات: أولاً: الأيديولوجيات الفرعية - التي توجد داخل الدولة الواحدة، ويعبر كلاً منها عن قطاع داخل الرأي العام الداخلي. (مثل التيارين الإصلاحي والمحافظ في إيران) ثانياً: الأيديولوجيات القومية - أي التي يمتد تأثيرها إلى الدولة بأكملها. (مثل النازية في ألمانيا-هتلر ، الفاشية في إيطاليا-موسوليني). ثالثاً: الأيديولوجيات الدولية أو عبر القومية - أي التي يتشارك في الانتماء إليها والتأثر بها أكثر من دولة؛ مثل الماركسية.
من حيث العدد؛ فإن الأيديولوجيات الفرعية هي الأكثر عددًا وتنوعاً يليها القومية ثم الدولية. أما من حيث الحجم أي عدد من ينتمون إلى الأيديولوجيا فإن الأيديولوجيات الدولية تأتي في المقدمة يليها القومية ثم الفرعية.
تأتي الأيديولوجيات الدولية -عبر القومية- في المقدمة من حيث تأثيرها في العلاقات الدولية وتسببها في صراعات ونزاعات، لكن هذا التأثير يتوقف حجمه وشدته على عوامل أساسية: ١-طبيعة الأيديولوجيا ٢-طبيعة الأهداف ٣-طبيعة التابعين
ثم تطرق المؤلف في هذا الفصل إلى موضوع مهم وهو نهاية التاريخ - الأيديولوجيا .. حقيقة أم خيال ؟ سأذكر لكم أكثر من نص وأنصحكم بالبحث والإطلاع عليه.
فالذي يتأمل في الصراعات الدائرة اليوم لا يمكن بحال أن يغفل عن جذورها الأيديولوجية، مهما كانت خافتة أو مضمرة، بل إن العولمة والديمقراطية والليبرالية هي بحد ذاتها أيديولوجيات تتضمن تفسيرًا للحياة والمجتمع والبيئة والعلاقات المحلية والخارجية إلخ، ولم يتخل الغرب يومًا عن منطلقات أيديولوجية في علاقاته الدولية بدءًا من عصر الإمبريالية المباشرة قبل قرون وانتهاء بالإمبريالية المقنعة بغلالة ليبرالية في وقتنا الحالي.
يتحرك الغرب في علاقاته الخارجية وفق حتمية قيامه بدور السيطرة لإنقاذ العالم من نفسه؛ فإضافة إلى قصيدة «كيبلنج» ظهرت في الولايات المتحدة أطروحات تروج للمعنى نفسه مثل: مصطلح «القدر الظاهر» أو «بيان المصير»: وفي فرنسا ظهر كتاب جول فيري «رسالة الحضارة» وكلها تؤسس لفكر استعماري لا تزال ملامحه قائمة حتى الآن فبالرغم من تراجع مفهوم الاحتلال المباشر للدول؛ فإن عقلية السيطرة الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية لا تزال هي المحرك الأساس للسياسات الخارجية للدول الغربية الكبرى استنادًا للأيديولوجيا ذاتها كما يؤكد «إدوارد سعيد» في كتابه القيم «الثقافة والإمبريالية»: في أيامنا هذه يكاد يكون الاستعمار المباشر قد انتهى» لكن الإمبريالية تستمر، حيث كانت موجودة دائمًا: في مناخ ثقافي عام، وفي ممارسات سياسية وعقائدية واقتصادية معينة أيضًا.
الخلاصة أن الادعاء بنهاية الأيديولوجيات وتراجع تأثيرها في الصراعات الدولية، وتبني مفهوم العقل المنفتح الذي يقبتس من كل بستان زهرة، ادعاء ينقضه الواقع، والغرب نفسه.
(الفصل الثالث : لدينا سمكات أكبر لنقليها .. المصلحة والقوة.) «المصلحة القومية» أحد المداخل المهمة المستخدمة في تفسير الصراعات الدولية: يفترض هذا المدخل أن المحرك الرئيس لسياسات الدول الخارجية هو حماية وتنمية المصالح القومية، من ثم فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الدول وهي تنفذ سياساتها الخارجية هو: كيف تحقق الدرجة القصوى من الحماية لمصالحها القومية حاضرًا ومستقبلاً؟.
وقد ذكر المؤلف أنه بصفة عامة تنقسم وسائل السيطرة الأستعمارية الإمبريالية إلى ثلاث مجموعات أساسية وهي: ١-الوسائل العسكرية: وهي الأكثر شيوعاً في التاريخ ٢-الوسائل الاقتصادية: لا تصل سيطرتها مثل الوسائل العسكرية ولكنها أبعد وأعمق أثراً. ٣-الوسائل الثقافية: تصنف على أنها أكثر الوسائل مكراً.
(الفصل الرابع : سباق التسلح) يطرح الكاتب ما احتمالات نشوب حرب عالمية ثالثة؟ بعض الدراسات السياسية تؤكد أن حدوث مثل هذه الحروب يكاد يكون مستحيلا في العصر الحالي، لسببين رئيسين: الأول: الرادع النووي الذي يجعل من تورط الدول الكبرى في حروب مباشرة، نذير خطر، إذ قد تنزلق الأمور بصورة تراجيدية لتصل إلى مستوى استخدام السلاح النووي. الثاني: العولمة بمختلف مجالاتها خاصة الاقتصادية، وهي تعني أن العلاقات الاقتصادية بين دول العالم أصبحت مترابطة ومعقدة للدرجة التي تجعل من أي حرب مباشرة بين الدول الكبرى خسارة للجميع دون رابح.
(الفصل الخامس : تطبيقات عملية : صراع واحد وأسباب متعددة (لماذا قامت أمريكا بغزو العراق ؟). سنحاول في هذا الفصل تحليل وتحديد الأسباب التي دفعت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى اتخاذ قرار غزو العراق. تميل كثير من الكتابات السياسية العربية التي تناولت هذه القضية إلى النظرة الأحادية التي تفترض أن قرار الغزو له سبب رئيس واحد أو ربما سببان على الأكثر. هذا التناول الأحادي يعطي نتائج غير حقيقية فالأزمات والصراعات السياسية في الوقت الحالي تكتنفها متغيرات كثيرة لدرجة أنه في بعض الحالات يصعب تحديد الأسباب الحقيقية التي أنتجت صراعًا هنا أو هناك، لذلك تبقى المنهجية العلمية هي المخلص من هذا الارتباك التحليلي؛ بمعنى أنه لكي نفهم أسباب غزو العراق، لا بد أن نحلل هذا القرار باستخدام مداخل متعددة لتفسير الصراع بدلًا من مدخل واحد فقط.
(الفصل السادس : قال لنا المسيح أن نحمل سيفاً .. الدين والصرا��ات) يذكر لنا المؤلف أن الدين له دور كبير في السياسة والصراعات السياسية، هذه حقيقة لا يملك أحد أن يجادل بشأنها، لكن تأثير الدين في السياسة طرأت عليه تطورات وتغيرات كثيرة -صعودًا وهبوطًا- خاصة في القرنين الأخيرين. قبل مئات السنين كانت الخلافات الدينية تسهم بالدور الأكبر في تفجر النزاعات والحروب لكن مع تطور الحضارة الإنسانية تراجع دور الدين كسبب معل��، مع بقائه كأحد الدوافع الرئيسة التي تُعلن أحيانًا وتضمر آحَيانًا أخرى.
(الفصل السابع : السياسة الخارجية ودورها في بدء الصراعات) السياسة الخارجية للدولة يمكن عدّها المرحلة الثانية من اتخاذ القرار المتعلق بالصراع. فإذا كانت مداخل تفسير الصراع تقدم لنا تصورًا عن الدوافع والأسباب والظروف والمسوغات، متوسطة أو طويلة المدى، فإن السياسة الخارجية هي مرحلة وضع ما سبق في إطار تنفيذي.
(الفصل الثامن : تطبيقات عملية على السياسة الخارجية المنشئة للصراع: (١) نموذج الاحتلال السوفيتي لأفغانستان)
يذكر المؤلف هنا نموذج احتلال ويشير بإن تكرار مثل هذه الأحداث وبهذه الصورة يوضح أنه من الضروري تطوير أساليب تمكننا من فهم العوامل المحركة لسياسات الدول، أي معرفة الأسباب التي تدفع الدول إلى التصرف بالطريقة التي تنتهجها إزاء مشكلة معينة. فمثل هذه المعرفة ستمكّننا من الاستعداد للتعامل مع الأحداث الدولية المختلفة.
وفي ختام الفصل يشير، لكي يتمكن المرء من التنبؤ بسلوك السياسة الخارجية؛ عليه أن يطرح التساؤلات الصحيحة؛ ولا بد له من اختيار المتغيرات المناسبة، ذلك أن مشكلة فهم السياسة الخارجية لا تكمن غالبًا في عدم توافر المعلومات ولكن في عدم القدرة على تصنيف المعلومات المتاحة ببخصوص موقف معين.
(الفصل التاسع : تطبيقات عملية على السياسة الخارجية المنشئة للصراع: (٢) السياسة الخارجية لإيران تجاه دول الخليج- البحرين نموذجاً.) يتحدث هنا عن صراع إيران والبحرين التاريخي والمطالبات المتكررة من إيران لضم البحرين تحت حكمها.
(الفصل العاشر : الخطوط الحمراء) «الخط الأحمر» عبارة رائجة متداولة في مختلف المجالات، تعبر عن «الحد الذي لا يمكن تجاوزه» أو «نقطة اللاعودة»، رغم أن «الخط الأحمر» مصطلح غير منضبط من الناحية العلمية، لكنه من المصطلحات السياسية واسعة الاستخدام، في مجال العلاقات الدولية يمكن أن نتلمس تعريفاً لهذا المصطلح كما يأتي: «هو خط افتراضي تعبر به أطراف أو جهات دولية عن مناطق النفوذ والحماية التي لا يجب تجاوزها من أطراف أخرى». أو أنه تعبير عن الحدود التي يُعد تجاوزها إخلالَا بالتوازنات الدولية، سواء كانت هذه التوازنات رئيسة أم جزئية.
مدخل جيد وواضح لفهم كيف تنشأ الصراعات بين الدول ودوافعها واستراتيجياتها في توظيف سياساتها الخارجية لتحقيق مقاصدها وغاياتها. الكاتب وظّف أمثلة تطبيقية تدعم محاوره في الكتاب، شعرت بعدم حياديّته فيها لكن يكفيه أنه أورد قبلها المفهوم والشرح العام للقصد، بحيث بإمكانك أنت أن تخلق مثالًا تستطيع به فهم المقصد.