لم تكن القرنة بالنسبة لحسن فتحي هدفاً في ذاتها ، وإنما كانت الخطوة الأولى التجريبية على الطريق إلى تجديد الريف المصري تجديداً كاملاً من خلال إعادة بناء قراه لخدمة المجتمع ، فالبناء وتقنياته والمواد والتصميمات ومنتجها النهائي ليس الهدف ولكنه كان مع حلم المعماري حسن فتحي الوسيلة لخدمة المجتمع والارتقاء بحياته. لم تكن مجرد قرية لتوطين السكان المهجرين ، بل أصبحت حلم خاص لمعماري ورسالته ـ الحلم الذي لم يكتمل ـ ، فرصة وجد فيها المعماري غايته لتحقيق أفكاره ورؤيته حول إمكانية تنمية القرية المصرية ، والارتقاء بحياة الفلاح المصري ومعيشته التي كان يرى فيها البؤس والحرمان مع التخلف والفقر والمرض وكانت تلك حالة كل الفلاحين حينئذ ، لم تكن هي حالة سكان القرنة القديمة هناك في الجبل ، ولكنها وضعية اجتماعية عامة لغالبية الفلاحين المصريين حتى نهاية النصف الاول من القرن العشرين . والآن بعد أكثر من سبعين سنة من ميلاد الحلم هناك من يريد أن يحطم هذا القليل الذي تحقق ، يقوم بالفعل بمحو حتى تلك البداية التي لم تكتمل ؛ ويحرمنا ويحرم الأجيال القادمة من ذاكرتها الوطنية والتاريخية لنعيش حالة من فقدان الوعي مع ضياع الحلم .. كانت محاولة سباقة لتطوير القرية المصرية حلم عاش له وآمن به المعماري حسن فتحي مع تطوير قرية القرنة الجديدة في منتصف القرن العشرين . وفي رؤيتنا حتمية ألا يكون هناك تراث زائف أو حداثة زائفة ، و إنما هي عمارة تكون بحق التعبير المرئي الدائم للمجتمع ، هذا يعني أن التغيير آت حتماً إلى قرية القرنة الجديدة بأي حال مع التحولات الحادثة للمجتمع ومتغيرات العصر ، فالتغيير هو شرط الحياة وأفراد المجتمع أنفسهم يريدون التغيير ، ولكنهم ليس هذا مبرر لتجاهل الموروث ، وما يحمله من قيم ثابتة ، ولكن هو الميزان المنشود بين الثابت والمتغير ، وهي مسئولية المعماري صاحب الحلم والرؤية ، والواعي بمسئوليته وواجبه نحو مجتمعه ، ونشر رسالته .. ولما كان الحال هو أن المستهدف الارتقاء بالمجتمع وحمايته من التأثيرات الوافدة من حولهم ، وهو ما نحلم باسترجاعه مع حلمنا عودة الروح من جديد ، فإنه نجاح العمارة والمعماري صاحب الحلم في خدمة المجتمع يتوقف على الموازنة بين الامكانيات والسكان وقدراتهم الفنية على الانتاج ومستوى المعيشة المطلوب ان يكونوا عليه . هنــا نفهم تلك العلاقات الجدلية بين الإنسان بذاتيته وتراثه بعموميته وجماعيته حتى يمكن التفاعل مع الموروث وخلق الجديد لنورثه لكن الحلم لم يكتمـــل ويستعرض الكتاب رحلة كل من القرنة القديمة والقرنة الجديدة مع حلم المعماري حسن فتحي عند ميلاد القرية او عند محاولة مركز طارق والي العمارة والتراث المعاصرة لعودة الروح للحلم بعد سبعين سنة من محاولة الميلاد ويبقى الصراع بين المعماري صاحب الحلم والسلطة صاحبة القرار وتتكرر الحدوته والحكاية !!
الدكتور طارق والى معمارى ومخطط عمرانى ، يرأس ويدير مركز طارق والى العمارة والتراث ، ويعمل لاكثر من 40 سنة فى مجال العمارة والعمران ، دارت الكثير من أعماله المعمارية والعمرانية وكذلك الفكرية حول الارتقاء بالانسان والمعمار والعمران العربي ، وذلك من خلال رؤية تجمع بين استقراء تاريخنا وتراثنا العربي بعيون عصرية قادرة على استخلاص العبر من ذلك التراث . وبين معايشة الواقع المعاصر وتحليل معطياته من اجل الوصول الى مستقبل افضل .. أصدر طارق والى تسعة كتب وله الكثير من الابحاث والدراسات ، تدور موضوعاتهم المختلفة عن العمارة التراثية والمجتمعات العمرانية. ومن اعماله الفكرية المنشورة كتب نهج الواحد في عمارة المساجد ، النظرية العمرانية في العبر الخلدونية ، نهج البواطن في عمارة المساكن ، مدرسة السلطان حسن ، المدينة والدولة ، المحرق عمران مدينة خليجية .