العالم قد يصل بالرجال إلى درجة من التعقيد تجعلهم يحسدون فرشة أسنان، أو يوجّهون سؤالًا إلى أمشاط الشَعر، وقد يكون ذلك حدثًا عرضيًا يدفع بعض الاحتمالات إلى قصيدة شعر. كل ذلك لا يهم، ولم يهم في أي وضع. علينا فقط أن نسأل أنفسنا: لماذا لا نغلق الأبواب خلفنا بعد كل فرار؟ لماذا نستجوب أمشاط الشَعر وفُرش الأسنان دون خجلٍ في حين أننا توقفنا عن خوض المعارك بالسيوف الكرتونية وجنود البلاستيك؟ ما سبب رفضنا خوض معركةٍ في حين أننا نخوض أخرى؟ ولماذا نخوض معركةً في أخرى؟ عندما توقّفتُ أمام المرآة كي أوجّه سؤالًا لم أدرك أن الغرفة كانت على أتمّ الاستعداد.. لم أدرك أن تذاكر المتحف القديم، الخلخال المعدني، أمشاط الشَعر، والأوراق الموشومة بخطّ اليد يحملون جميعًا رغبة ملحّة في إطلاق الأسئلة.
"ولن أحمِّل الأدب مسؤولية المأساة بقدر ما أحمله مسؤولية محاكاتها دون جدوى"
رواية جميلة جدًا، بكل ما تحتفي به من قدرة البشري الفطرية على تخطي المنظور بكل حيزه المغلق، إلى الخارج، إلى الشيء الذي يتعذر التقاطه، هاربًا من سطوة الفوتوجرافيا ، والحساسية البصرية، إلى الفراغ، الإعتام الكامل الذي يكتنف المشاعر والاختلاجات والصمت المخيم على كل الرغبات وكل النوازع.
بلغة متقشفة، تحذر التشابك مع لغة شعرية تقلل من حيلتها النفسية، يلجأ علي إلى قدرته الذهنية المتمثلة في استدرار حدث بسيط، ليضخِّمه ويصنع منه الحالة المرجوة، دون استرداد مبالغ فيه لأي ثمن نظير المجهود الذي يبذله في سبيل إخراج شخصياته إلى الواقع. حتى الأسماء تحمل رمزياتها الكارتونية، لتحاكي الكاريكاتير المجسم.. فبوباي، وماري الكبيرة، وزيتونة، وزعتر الكبير والسيد بنفسج، شخصيات لا يمكن أن تبعد عن أبعادها الإنسانية، برغم الألقاب الهشة، والتي تدل على أهمية المنظور الإنساني، بغض النظر عن الاسم والهيئة. فالكاميرا، بقوتها، وتأثيرها، لا زالت تعجز عن التقاط الشعور، الكاميرا سيدة اللحظة، لكنها تتذلل أمام المعترك الإنساني: الفقد، والحب، والاختفاء.
أكثر ما أحببتُ في الرواية هو، استخدام اللغة، ففرغلي لا يحب تكرار الألفاظ المخل، تمامًا كمشروعه الفوتوجرافي المكتوب، فلا تحل صورة مكان آخرى، ولا تستعيد صورة نفسها ولو توفرت لها الظروف ذاتها، كذلك أبهرني السرد الذي يريد آن يلتحم بالشعر، لكنه في الآن ذاته يغدو وقحًا حين يدفع بيد المساعدة بعيدًا، فيقرر الكاتب أن ينظر لشعريته من بعيد، على أن يهندس لغته وما يتوافق مع المخطوط المرسوم في ذهنه باللغة المتجردة، كمن يجلس بعيدًا عن النهر، لا لأنه يكرهه، بل لأنه أدرك أن النهر، في بعض الأحيان، قد يبدو فاتنًا من هذه المسافة.