لم أجد نافذة خاصة بالمؤلف يتحدث فيها عن كتابه ولذلك اتبعت الطريقة التقليدية في الإشارة إلى روايتي هذه لكن التقييم الذي وضعته إنما هو من قبيل حبي للعمل لأنني مؤلفه وليس لتقييمه نقدياً لأن هذا الدور هو مهمة القارئ الكريم حين يفرغ من قراءته.
انتهيت قبل قليل من "نار المرخ". هذه رواية لا تقرأ قبل النوم.لأنها ببساطة تحتاج إلى انتباه القاريء طول الوقت.وللسبب نفسه لا تستطيع ان تقفز فصلا او حتى صفحة واحدة لأنك ستفقد الكثيرمما نجحت في اصطياده بتمهلك ومثابرتك.نعم تحتاج إلى مثابرة في قراءة هذا العمل ليمنحك نفسه." أكتب عما تعرفه".أليست هذه النصيحة الذهبية التي تشهر في وجه كل كاتب؟..والكاتب كان يملك من مفاتيح المعرفة ما ثقل وكثر.لقد كان يغرف من بحر معرفته بالصحراء بثقة ومحبة وافتتان ويقدمه لنا على هيئة فاخرة من الحكي،ونحن نصاحبه كما صاحب " رعد" "غربي"،مؤملين ان نحصل على بعض ما حصل عليه من حكايات استحقت وجودها،وربما ليس بالطريقة التي وطّنها بها كاتبها.إذ لم تكن بحثا خالصا لتدوين الحكايات الهائمة ،لكنها أيضا رحلة بحث داخل النفس،في محاولة البحث عن الجذور. بدت بعض الفصول لي مألوفة كأنني قرأتها من قبل.وربما كانت الحكايات التي تخللتها ، نصوصا سردية سابقة،أخذت طريقها إلى المتن لأهميتها وتمازجها مع ثيمة الصحراء.التي كانت فضاء هائلا للألاعيب السردية التي نسجت هذا العمل الضخم الذي يستحق الإعجاب حقا. وفيما تتناثر الحكمة وفلسفة الحياة في جنبات العمل على امتداد القص سيجد القاريء الكثيرمن الرهافة والرقة أيضا التي تقترب من الشعر. كم المعلومات الهائلة التي تقترب من الغرابة في هذا العمل،والتي أحسن الكاتب توظيفها بخبرته السردية،تجعل القاريء يصاب بالدوار، وهو الذي كان يظن انه يعرف الكثير عن الصحراء مما شاهد وسمع ومر به مرور الكرام. أعدت قراءة بعض الفصول،لمجرد المتعة الخالصة.ما يتعلق الأشجار على وجه الخصوص. تحية للكاتب الكبير عواض العصيمي على عمل رائع، يستحق الاقتناء.
هذا الكتاب خاص جدًا. عظيم. دافئ. حقًا أحببت تلك الفصول التي تناول فيها الكاتب موضوع توطين الحكايات، وأستطيع القول «يارجل، هذا الكاتب يستطيع الكتابة عن أي شيء إلى أي مدى وبلا توقف» سردية الرواية تحتاج الإنتباه والتركيز فالكلام الذي تقرأه ليس كلامًا تتوقعه. هو خلقٌ جديد من نبع الكاتب الذي لا ينضب.. بعض الروايات تقرأ سطرًا وتتنبأ بالذي يليه. هذه ليست منهن.
بعد توقف طويل عن القراءة كان لي نصيب العودة إليها من خلال رواية نار المرخ .. قرأتها وأنا أحمل هم القراءة كنشاطٍ ذهني يتطلب التركيز وهو ما فقدته منذ مدة لكن ما إن باشرت تقليب الصفحات حتى عقدت العزم على إكمالها في الوقت المحدد باستثناء بعض الإبهام الذي شغلني قليلاً ، وقد غمرتني راحة بالاستسلام للحكّاء المتفرد في فنه السردي المتلبس بعشق الحكاية فهو الراوي وهو الشاعر وهو المؤرخ والجغرافي والنابغة في شؤون الصحارى وعوالمها الدقيقة وهو المتمدد بسطوة حضوره في كل الصفحات .. الحكاء الشغوف بكل ما يتعلق بالصحراء من كنوز دفينة وطبيعة ساحرة وإرث متجذر الأصول والذي استطاع أن يرهف له آذان الجميع ..
وحين بلوغي لهذه العبارة .. "غير أن هذا كله يذهب هباءً في لحظةٍ واحدة وذلك حين أعلم أن الصحراء خرجت منذ زمن من نفسها لتعمل خادمةً قبيحة لا ذاكرة لها إلا في الترفيه عن العابرين" استوقفتني طويلاً لتكشف لي ولكثيرين مثلي عن وجهٍ آخر للصحارى الوجه الذي استقرت به في أذهان العابرين كحاضنة تسخو عليهم بأشكال المتعة والترفيه فقط لندرك بعد قراءتها كم غاب عن بصائرنا الكثير من مواطن سحرها المدفون بعيدًا عن ألحاظ العابرين .. السحر الذي استحق باقتدار أن تُدار لأجله آلة التسجيل توثيقًا لكل وجوه الجمال الساكن فيها .
ثم لم يكن لكل تلك الحكايات المختزنة في ذاكرة الحكّاء أن تصل إلينا إلا بطريقٍ مهّدها للمتلقين من خلال توطين الحكاية ليمنح لبطليْ روايته قدرًا لائقًا من التناغم فهو لن يصل بنا إلى حيث يأمل إلا بطريقة إبداعية كهذه تمزج بين سرد الحكاء غربي ولغة موطّن الحكايات رعد بمزيدٍ من التعلق والتجاذب .
رواية شيقة بعثت في نفسي رغبة العودة إلى القراءة من جديد .
رواية نار المَرّخ لعواض العصيمي ليست حكاية تحكى فقط، بل دعوة للتأمل والسير على أطراف صحراء هي بلغة آخرى تعني الوجود والانتماء والهوية. بين صفحاتها، وجدت نفسي أتنقل بين صراعات الهوية والانتماء، وبين حوارات داخلية تتسلل كأصداء بعيدة، تشبه حديثاً قديماً يتكرر مع النفس. هناك مساحة فلسفية خفية، لا تُقال بصوت عالٍ، لكنها تُلمس في الظلال، في الصمت، في الحيرة التي تشبهنا.
الصحراء في الرواية ليست مجرد خلفية، بل هي كائن حي: تسمع من خلالها صوت الريح والرمل والعشب، وقع المطر حين يفاجئ الأرض العطشى. وصوت الإبل، والأشجار التي تتشبث بالحياة وسط اليباس. كل شيء ينطق وكل شيء يشارك في السرد، حتى الصمت الطويل الذي يعرفه وينتهز فرصته كل بدوي فطن تشبث ببداوته وعاد لها من المدن الصاخبة في كل فرصة يجدها.
رعد وغربي يشدّان ذلك الخيط الرفيع بين الحلم والواقع: رعد، الشاب الذي يبحث عن انتماء ومعنى لا فقط لقبيلة أو مكان بل لنفسه. وغربي، الشايب الذي يحمل الحكمة كما يحمل الصحراء على ظهره؛ لا يعظ، بل يحكي.. وحين يحكي، حتى الرمال والإبل تشاركه سرد الحكايات.
أثناء قراءة الرواية، أدركت أنني أميل بشدة لتلك الروايات التي تعرف كيف تمزج بين الواقع والخيال بطريقة ذكية ومقنعة وغير مبالغ فيها. روايات يتشكل فيها السرد بتلقائية و تسرد الحكاية كما هي من وجهة نظر الإنسان والحيوان والشجر وحتى النمل!
تحتاج هذه الرواية منك جهدا جيدا لإبقاء عقلك حاضرا للانتقال بين الوادي و الجبل و السهل ، في طريق طويل من خلال الصحراء. ستجد لفلسفة الحياة حضورا ممتعا بعض الأحيان و معزيّا في أحيان أخرى.
عند نقطة معينه قد تشّبه نفسك برصاصة وحيدة، و لسوف تتساءل مامدى حقيقة انك مجرد أداة لإلهاء نفسك، وقد تتعلم أن تَتبع أفكارك كما تُتبع الإبل ، و أن تحاول الإمساك بجوهر المعرفة الشخصية. ستقف قليلا لتنظر إلى داخلك بعيدا عن ذلك الشبه الخارجي بينك وبين الأخرين، لتكتشف بابا سريا، تلج منه إلى تلك الحكايات المطبوعة داخلك، الحكايات التى تساعدك على الانعتاق من القبضة التى تسحبك من ياقة ثوبك، لترى المدن الكبيرة على حقيقتها. ستبحث فيمن حولك عن حكّاء يشبه المرخ ، و ستندم على كل الذين مروا بك ولم تحاول أن تسمع جزءا من حكايتهم. تلك الحكايا التي تساعدك في البناء خلال مسيرة الحياة ، تساعدك أن تشتبك مع محتويات أخرى ليس بقصد المواجهة وإنما لترى آفاق ابعد، قبل ان تسبقك الرياح و الامواج إليك ، وعندها ستكون الخدوش مدعاة للفخر . وربما ستحاول البحث عن رسلا حتى تسمع قصتها، بالرغم من انك تعلم أن " المصير واحد في قانون الصحراء".
العمل الرابع على التوالي الذي اقرأه للكاتب عواض العصيمي، حكاء العجائب والصحراء "إنه حكاء مرتضى من الجميع، لم ينتخبوه لأنه يحكي جيداً، وإنما انتخبته سمعته في هذا الفن." "فكل حكاء مكين إنما هو بقدر ما يحدث في مستمعيه هذه المسافة الشعورية من التعلق به كفنان وليس مجرد حكاء."