لا أدري ما السر الذي دفع بالصديق الشاعر جاسم عساكر لأن يعنون ديوانه الأخير بعنوان "أغنية لهذا المأتم" الصادر في طبعته الأولى عام 2020م، وكان أحرى به أن يسميه "أغنية لهذا الحب" أو "ترنيمة للحب"، وهو عنوان أحد قصائد الديوان التي يتوجه فيها بخطاب هو أشبه بالصلاة في حضرة الحب الذي يشكل الثيمة المحورية لهذا الديوان برمته من أقصاه إلى أقصاه. منذ مدة طويلة لم أقرأ لشاعر يتغنى بالحب وللحب بهذه العذوبة وهذه الشفافية التي تتسلل من سطوره وتنبض بها أبياته بغض النظر عن موضوعات قصائده وما كتبت فيه ولأجله، فالحب هو العامل المشترك والحاضر الدائم الذي لا يغيب حتى وإن لم يذكر اسمًا فهو حاضر بمغزاه ومعناه وإيحاءاته وكل مفردات حقوله الدلالية. ولكنك لا بد واقف على بعض الأبيات التي تشع فيها مفردة الحب مثل جوهرة لا تخطئها العين، مثل قوله: لم أحمل القلب إلا كي أحبَّ به ما زال بالحب هذا القلبُ يوصيني أو قوله: للحب أن يزهو برغم شقائه فالدرُّ أكثر في الظلامِ سطوعا
أو قوله: فهمّي أن أحبَّ وليس همّي إلى ماذا أصيرُ وما قراري
أو: فتبًا لي إذا ما قلت يومًا لروحي عن وعود الحبِّ توبي
وسوى ذلك من الأبيات التي يتردد فيها صدى الحب الذي هو (أي الشاعر) ضد أن يسجن في مفهوم، حين يقول: قد ضيّق الدنيا وسدَّ رحابها من رام سجنَ الحبِّ في مفهومِ فالحب ليس فقط حب العاشق لمعشوقته والمحب لمحبوبه، بل هو أبعد مدى وأشمل رؤية وأرحب أفقًا من ذلك، وها هو الشاعر يعبر عن أمله في "أن يبعث الحب في الإنسان إنسانا"، كما يقول في شطر أحد أبيات قصيدة له. الحب إذن هو ذلك الإكسير الذي يروض الوحشيّ والمنفر والمشوه في نفس الإنسان لتتجسد فيه معاني الإنسانية الحقة في صورتها المثلى قبل أن تصيبها فيروسات القبح والكراهية والنفور من الآخر لمحض كونه آخر مختلفًا عما يراه المرء في مرآة ذاته. يقدم جاسم عساكر "المصاب بالحب"، كما يصف نفسه صادقًا، في هذا الديوان سفيرًا مفوضًا باسم الحب وحق له ذلك، وحق لنا أن نطرب له ونحتفي به، وإن يكن هناك ما نغص عليَّ متعة الإبحار في قصائده فهو أنه يركن أحيانًا لتوظيف بعض الصور "الشعرية" التي تتحرى وتتغيا "الطرافة" التي ربما قصد بها البحث عن الفكرة الجديدة أو ربما استدرار إعجاب القارئ أو المتلقي، كمثل قوله مخاطبًا محبوبته: يتوافد الزعماء نحوك عشرة من راحتيّ وشأنهم تمثيلي
ولكن، ومع ذلك، لنستمع إليه حين يشف ويصفو كيف يخاطب محبوبته في قصيدة أخرى مكونة من بيتين، يقول فيهما: ومن فرط ما نحن اشتبكنا صبابةً كغصنين من جذعٍ طويلٍ تفرّعا
وددنا بأن الفأسَ لم تنتبه لنا على الجذع إلا إن رأتْ قطعنا معا