في قصة الطوفان، يتأخر الغُراب في العودة إلى سفينة نوح، بسبب جيفة صادفها في طريقه فاشتبك معها بمنقاره متجاهلاً مهمته في إيصال البرقية، فيما تنجز الحمامة مهمتها كساعي بريد أمين، بغصن زيتون في منقارها، في إشارة إلى انحسار الماء عن اليابسة. في ما نراكمه من كتب، سنقع على جيف كثيرة في الطريق. يكفي أن نشمَّ رائحة السطور الأولى حتى نكتشف بأنها منتهية الصلاحية لجهة الركاكة والبغضاء والجهل. على المقلب الآخر، للكتب رائحة عطرُ سرّي، تتسرّب من عبارة مباغتة، من ضربة شاقولية تزعزع استقرار جهات الكتابة، صفعة جمالية في السطر الأخير من الصفحة، كدتَ أن تنزلق عنها سهواً. علينا إذاً، أن نحذر شيخوخة الحواس في التقاط الرائحة: خفق جناح غُراب، أم جناح حمامة؟
ربع الكتاب الأول رائع، والحق أنني خلت كل الكتاب على نفس المنوال، فلا أدر من الذي قال لي إن الكتاب برمّته سيرة ذاتية. لكن توقعاتي لم تكن في محلها، اذ انطلق من بعد ذلك في بضع مرثيات لمن توفوا حوله حتى انتهى إلى تجميع لمقالاته في الكتب، التي نُشرت في «الأخبار»، وعلى أن أسلوب الأستاذ خليل لماح وقد تخرج منه ببضع توصيات، إلا أنني اختلفت معه في بعض الكتب.
أرجو أن نرى مذكرات أستاذنا، فهو ممن تستمتع العين بأساليبهم.
يقول صويلح أن النزهة العابرة في موقع جود ريدز مسلية الي حد ما. ههنا يفرش بعض القراء أجنحتهم الطاووسية علي النص بخيلاء وديكتاتورية فظة. يمنح هذا خمس نجوم، ويطيح بآخر نحو الهاوية. شخصياً قابلت قراء حصيفين في تقويم ما اكتب، وتحملت هجاء آخرين… احدهم كتب عن روايتي "عزلة الحلزون" : "رواية لا تستحق الورق الذي طبعت عليه. مملة ورتيبة" . فيما كتب قارئ آخر عن روايتي وراق الحب "لا ورق ولا حب" وكتبت قارئة في توصيف روايتي "زهور وسارة وناريمان"محذرة من ارتفاع منسوب البورنوغرافيا: "لا انصح احداً بقراءة هذه الرواية".
كتاب ممتع يستاهل ان يقرأ اكثر من مرة… يدور بنا خليل صويلح اركان الكرة الارضية شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً في التاريخ العربي والغربي صعوداً ونزولاً ليفتح لهواة القراءة واللغة آفاق قد تكون جديدة للبعض وانا واحد منهم فقد لفت نظري الي كُتاب وكتب سمعت ببعضها ولم اسمع بالاخري وجعلتني ابحث عنها وربما قمت بتنزيل علي الاقل كتابين لقراءتها وانقد بنفسي حتي ما كتبه خليل شخصياً… بحثت عن هذا الكتاب في ارجاء مصر فلم اجده الا في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته ال٥٢ واستمتعت بقراءة اولي…ولي عودة له مرات أخر…
يأخدنا خليل صويلح الي الف ليلة وبدايات قراءاته وعلاقة بعض اعماله بها.. فسيرة الكتابة إذاً، هي سيرة القراءة أولاً فقد كان يلتهم الصفحات بمتعة جنونية، بنشوة القبلة المالحة الأولي… حسب تعبيره… اسماء قرأت لها علي سبيل المثال البرتو مانجويل ودوره في كتابة تاريخ الحب وابن حزم الاندلسي وطوق الحمامة ووراق الحب… الكتاب اكثر من ممتع خصوصاً عندما يتكلم عن اعمال قد قرأتها سواء من اعماله شخصياً او من كتاب العالم بورخيس يوسا سرڤانتيس وعبد الفتاح كيليطو…
الكتاب تطريز رصين، واتخام مكثف، العديد من الأعلام والكتب ضمن السطور، تكشف عن قارئ نهم يتخفى خلف قلمه، رشاقة في العبارة وفرادة في المفردة، مبدع كأسلوب وكمحتوى يضيف، سياحة ونزهة غراب، يجوع ولا يشبع، يشهي ويعطي بمقدار، الكتاب نافذة للمتعطشين للازدياد، الكتاب مجموعة من المقالات ورحلة في العديد من المواضيع التي تتناول أفكار كتّاب وخلاصة آراء كتب، يقتضب الكاتب بطريقة الإلماح دون التوغل، والتوغل المقتضب المركز، الكتاب لا يشفي ولا يشبع، هو تجويع من نوع خاص، يقول بالفصيح للقارئ: أمامك الكثير لتقرأه، لهذا يحتاج القراء إلى القلم للتدوين وللمراجعة وتسجيل مقترحات قرائية وكتّاب لم نقرأ لبعضهم، نتطلع لمطالعة كتاب آخر للمؤلف.
This entire review has been hidden because of spoilers.
نزهات للقارئ بين الشعر والشعراء الذين نظموا الشعر بزيت روحهم وأنينهم وأوجاعهم ووحدتهم وغربتهم،والرواية والروائيين الذين نسجوا السرد والسحر بأصابع من عاج الجنون. يعلمني خليل كل مرة أن الكاتب هو ابن الكتب والصفحات والجنون.