بذة الناشر: لقد أصبح السؤال الديني الذي يشغلني بعد أن رجعت إلى مدينتي، هو كيف الوصول إلى مبتغى الإصلاح بعد أن ضاقت سبله في دائرة الأمة الواسعة، كما ضاقت في دائرة الوطن الأضيق التي هي هذه البلاد الصحراوية؟... فهل في البلدة الصغيرة ملاذاً وحلاً؟ أم أن الإصلاح في حقيقته... يكون في إصلاح النفس والخروج من المدينة والإنعزال عن الخلق؟...
فأين المفرّ وقد أقفرت حواضر العلم والدعوة، وتحلّلت إمارات الحكم واشتد خطر الغزاة والبغاة؟...
لم يبق إلا الإحتماء بشنقيط، وهل فيها ملجأ وحماية، أم هي اليوم منفى المعتزل بعد أن قلّ السكان وتضاءلت التجارة وانقطعت السبل؟...
كاتب موريتاني مولود في النباغية، حائز على دكتوراه في الفلسفة الحديثة و المعاصرة من جامعة تونس سنة ١٩٩٢. و أُستاذ الدراسات الفلسفية و الاجتماعية بجامعة نواكشوط بموريتانيا. له كتب ودراسات عديدة منشورة في ميادين الفلسفة المعاصرة وإشكالات التحول الديمقراطي.
رغم ان الكاتب (ودار النشر) أصدرا هذا النص تحت مسمّى "رواية" إلّا انه لا يقترب منها بأي شكلٍ من الأشكال بل انه عبارة عن سيرة (ذاتية وغيرية، سأفصل ذلك لاحقًا). سيرةٌ أقرب الى الكتابة التاريخية منها الى الأدبية.
يبدأ الكاتب نصّه بالإشارة الى "عثر على هذا المخطوط النادر في مدينة مراكش في نيسان /أبريل 1989 وقد صادف هذا التاريخ حدثًا سعيدًا..الخ" وينهيه بـ "انتهت الرواية بتاريخ 27 أيار/ مايو 2020 في النباغية". بدايةً فكرة العثور على مخطوط اصبحت مستهلكة جدًا في الأدب العربي، ثمّ اللغة المستعملة والأفكار المطروقة لا تمّت بصلة الى الفترة المكتوبة فيها (على اعتبار انها مخطوطة، القرن السابع عشر)، امّا نهايتها فأظنّ ان الكاتب اراد القول بأن كل ما سبق متخيّل او من المخيال الروائي وقصة المخطوط كانت لعبة روائية لكنّه في توضيح هذا الأمر خدم فكرة التخيّل كتجريد وهدم فكرة التخيّل الروائي من خلال اسقاط آرائه الحديثة على فترة زمنية لم يكن من الممكن ان تنوجد تلك الآراء وسنفصّلها لاحقًا.
استعمل الراوي تقنية الضمير الأوّل في القصّ، ابن رازكة يروي عن ذاته وحياته من خلال الإسترجاع (حياته الكاملة) والوصف. التقنية المستعملة مناسبة لمبدأ السيرة الروائية، لكنها أتت مملة ومشوشة يعيبها التكرار والأخطاء اللغوية: ص11، "كلما سألت والدي "محم" الذي بقي في شنقيط ليقوم بمقام جدي في تدريس العلم وتحرير الفتوى عن سر رحيل والدي، كان.." الصحيح "والده" او "جدي" ص19، "ان الوقت لم يحن لإظهار العلوم الباطنية التي أخذ عنه" الصحيح "أخذها عنه" ص21، "النمط الغريب من الرجال الذي لا بشبه غيره" الصحيح "يشبه" ص46، "أخبرني صديق ان عشرات البقّار والأغنام تذبح كل يوم" الصحيح "الأبقار" امّا البقّار فهو صاحب البقر. وغيرها العشرات
الشخصيات كانت محمدودة في النص ومحددة بوجهة نظر الراوي، هذا الراوي الذي شكّل الشخصية الوحيدة المحورية مبني بطريقة سيئة أيضًا لأنه ينتقل بين الأمراء والزعماء والفقهاء بطريقةٍ غير مفهومة مع انعدام الحافز الشخصي من جهّة وهشاشة اسباب ثقة الأمراء به من جهّة اخرى (انا اتحدث حسب النص، لأن ابن رازكة شخصية حقيقية). فابن رازكة يصل صدفةً الى كل الأماكن التي ذهبها، يمدح السلطان او الأمير او ولي الأمر، يجزل ذاك له العطاء ويكلّفه بمهمات في شنقيط او غيرها! بناء غير مقنع. أمّا الشخصيات الأخرى فكلها شخصيات مسطّحة مرتبطة بحدث ما، وقد زادت خصوصًا ان الراوي لم يترك صاحب قافلة او جمّال لم يسمّه، كما ان الكثير من الشخصيات كانت تظهر وتختفي بعد صفحة من دون اي تأثير على النص. امّا الطامة الكبرى فكانت شخصية زوجة الراوي التي عرفنا انه تزوجها صغيرة ومن ثم اختفت من المشهد، هل بقيت زوجته؟ هل طلّقته؟ هل انجب اولاد؟ لا نعرف، وهذا مستغرب في مجتمع امومي!
بالنسبة للأفكار، يبدو ان الكاتب يريد اسقاط افكاره الشخصية على ابن رازكة، وبرأيي، لم يوفّق بهذا، فأفكار كفصل الدين عن الدولة لم تكن قد انوجدت بعد او بالحد الأدنى لم تكن منتشرة في ذلك العصر وفي تلك البيصة التي وصفها الراوي بالجمود والثبات (ص10).
مما لفتني وأعجبني في النص هو قصة الكتب، محبة اهل شنقيط لها واعتبارها ملكًا عامًا، يستعيرونها من بعضهم البعض على الدوام.
بالمحصّلة، قد تكون تلك الفترة المكتوب عنها مهمّة وتحتمل اسقاطات على العصر الحديث، لكن الطريقة التي اعتمدها الكاتب لم تصلني بل ان العكس هو الذي حصل تمامًا.