قد يثار سؤال أو اعتراض مؤداه أن دور الصوفي يكون بارزًا حقًا في مجتمع بدوي انقسامي مستقر. ولكن ما دوره في مجتمع متحضر تختلف بنياته الاجتماعية عن بنيات المجتمع السالف الذكر؟ ويقصد بهذا المجتمع الذي يتوفر على أمصار ومدن وقرى ومداشر... ومن ثمة فإن النظرية المقترحة لتفسير الظاهرة تصبح لاغية، أو في أحسن الأحوال قاصرة لأنها ليست شاملة. وقد أخذنا في الحسبان هذه الاعتراضات فوضعنا مفهومًا آخر متممًا للمفهوم السابق، وإن كان يظهر أنه مقابل له، لنفسر به مجتمع المدن وما أشبهه، ونبين دور الصوفي فيه. ونعني به مفهوم "التوحدية". وستقتصر إشارتنا على بعض الأمصار لنقيس عليها مثلها. وأما القرى والمداشر فإنه يظهر لنا أن بنياتها تكاد تتطابق مع البنيات البدوية. على أن كلاً من الأمصار وغيرها تشترك في أشياء مثل السور الذي كان يحيط بها للتحصن به والاعتصام، أثناء الهجومات، ومثل اختيار الموقع إزاء النهر الجاري والمحرث الطيب، والمحطب القريب. وتزيد الأمصار والمدن على ذلك بالسلطان إذ به صلاح حالها، وأمن سُبُلها وكف جبابرتها. فهل استطاعت المدينة أن تمتاز بنياتها بصورة واضحة من بنيات البادية؟
محمد مفتاح كاتب وناقد مغربي من مواليد الدار البيضاء 1942م ، وهو حالياً أستاذ جامعي متقاعد من جامعة الملك محمد الخامس في الرباط .
حصل على الإجازة في الأدب العربي عام 1966، وعلى شهادتي الدراسات اللغوية والأدبية المقارنة والكفاءة في التربية وعلم النفس عام 1967، ثم حصل على دكتوراه السلك الثالث عام 1974، ودكتوراه الدولة في الآداب عام 1981.
عمل الأستاذ الدكتور مفتاح بالتدريس في جامعة الرباط منذ عام 1971، ونال رتبة الأستاذية في عام 1981. وقام بتدريس وحدة “أساليب الكتابة في المغرب الإسلامي”، ووحدة “النقد والبلاغة الجديدة” لطلاب الدراسات العليا، وأشرف على أطروحات جامعية، وألقى دروساً افتتاحية عديدة بالجامعات المغربية، كما ألقى عدّة دروس ومحاضرات في كليات الآداب بجامعة صفاقس، وجامعة الملك سعود بالرياض بالمملكة العربية السعودية، وجامعة نواكشوط بموريتانيا، ودُعي أستاذاً زائراً بجامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية.