هناك في شيكاغو
ل هناء عبيد
رواية ذات غلاف رقيق بلون سماوي يطالعنا فيه وجه فتاة بدون ملامح سوى شفتان وبأسفل منها معالم مدينة ما ..
على الغلاف من الخلف سطور للكاتبة عن يوم انتظرته بطلتنا بفارغ الصبر فبدأ اليوم بأمطار ورياح ثبطوا من عزيمتها ..
الإهداء رقيق خصت فيه الأديبة أحباء رحلوا، وأحباء هم نعم السند وكذلك اهداء لدار النشر من ساهموا في خروج هذا العمل إلى النور..
تذهب بطلة روايتنا نسرين - الطالبة الجامعية الفلسطينية من القدس والتي تعيش وتدرس بقسم الفيزياء في الأردن- إلى معرض الكتاب لتنقي كتب عربية دون العالمية، فولائها للغتها الأم، وعلى النسخة الأخيرة من ديوان لمحمود درويش التقت بطالب في كلية الهندسة وفنان يرسم فلسطين بقلب نابض يدعى ثائر، واتمت معه التجوال في المعرض والنقاشات حول الكتب والكتاب..
طلب منها الاحتفاظ بنسخة الديوان فوافقت على أن يلتقيا بعد أسبوع لتعيره إياها..
واشتعلت شموع الحب في قلبين وكما تقول الأديبة بشاعرية محببة على لسان البطلة:
"لقد كان عشقًا من نوع آخر، لم نرسم حروف أسمينا وننقشها على جذوع الشجر، أو نكتبها على رمل الطريق كما غنت فيروز، أظننا التقينا عند نحيب أم ثكلى، أو أم تنتظر عتق أصفاد ابنها الأسير، أظننا تنسمنا أبخرة فنجان قهوة انطلق من فوهات بنادق الحرية".
نسرين تعشق فلسطين حتى أنها حينما تتحدث عن والدها تقول عنه:
"هو القدس بنورها وشعاعها، هو الذاكرة التي لا تخبو بين طيات الأزمنة المتقلبة، هو الأرض الموسومة في القلب، هو التاريخ الذي لا يخط بأكاذيب المنتصرين، في يديه ترتسم خريطة مدينتي بدقة".
تبدل الكاتبة بعد هذا المشهد الراوي من نسرين منتقلة إلى ثائر؛ حيث يقول عن نسرين:
"أية هدية بعثتها لي المصادفات؟! شكرت محمود درويش وغسان كنفاني ونجيب محفوظ الذين جمعونا معًا".
ولكن والد نسرين رفض ثائر بدون أن يبدي لابنته سببًا بل ونقلها من الجامعة مع وعد منها بعدم رؤيته بعد ذلك ..
تهاجر نسرين هاربة من واقع مؤلم ووحدة، وآملة في تغيير في بلاد الأحلام؛ أمريكا-شيكاغو..
لغة الأديبة عربية جيدة للغاية وبها من الشاعرية والصور البلاغية أيضًا فنجدها تقول:
"لم أكن يومًا صديقة للمستشفى، لا أظن أن لها صديقًا غير الأطباء"
"الموت ليس لمن يغادرنا، الموت لنا حينما نستيقظ بمشاعر رعب، نتتبع خطوات من غادرنا، نعانق ملابسهم التي التصقت بهم يومًا لعلها تأتي بهم".
وحينما سألتها فاتن عن سبب مجيئها لأمريكا ردت قائلة:
"هروب إلى هناك”
فأجابتها فاتن:
"كنا نعتقد أن الحلم سيتحقق هنا في أمريكا، لكن اكتشفنا بعد ذلك أن الحلم بقى هناك".
للمكان عند الكاتبة نصيب فهي تصف الأماكن بصورة رائعة بتفاصيل دقيقة فيراها القاريء بعينه وهو يقرأ عنها..
كما أنها أضافت لروايتها الرسائل التي كانت تخطها البطلة لثائر حتى وإن ظلت حبيسة مكتبها..
الشخصيات متعددة في الرواية ولكن الكاتبة تمكنت من وضع إطار عام لكل شخصية وانساب قلمها بين الشخصيات بسلاسة ويسر على القاريء.. فتعرف على الجميع وأحب هذه وغضب من تلك وهكذا..
رواية تضيف لمحات عن الغربة وأمريكا الحلم وكيف أن الكثير منا إن رحل يغير سماؤه لا يغير نفسه.. وما أقسى الشعور بمن يهجر من بلده المحتلة إلى بلد يعيش فيها عمر ولا يلبث إلا أن يهاجر منها..
تقول الكاتبة في تساؤلات تطرحها على نفسها وعلينا:
"هل الظروف السيئة أقوى من جاذبية حضن الوطن؟!".
كما أنها تتطرق في غربة نسرين لأناس من مختلف الجنسيات وظنهم إن المسلم هو إرهابي وأن فلسطين هي أرض اليهود وأن الفلسطيني هو القاتل لا القتيل ..
استمتعت كثيرًا بالرواية وفي انتظار المزيد من إبداعك ..
#نو_ها