في 1853 نشرت رواية «بارتلبي النّساخ» لهرمان ميلفل، وهي قصة نسّاخ في مكتب يفقد ببطء رغبته في العيش؛ في العملِ والأكل والعلاج والخروجِ إلى الشارع والوقوع في الحب. تكمنُ عظمة بارتلبي في أنه لم يتكبّد قط عناء تبرير رفضه، واكتفى دائمًا بعدم الرّد، أو بالرّد الخالد على كل طلب: «أفضّل ألا». في حياة مايكل K وأوقاته، يكتب كويتزي عن شخصية بارتلبية ضاربة في الصمت، تعيش على هامشِ الحرب الأهلية التي اندلعت في جنوب أفريقيا في عقد الثمانينات؛ شخصية كل ما تريده هو أن تُنسى من قبل المنظومة؛ السجون والمعسكرات والمستشفيات وهيئات الإغاثة، المحسنين على الطّرق والأنانيين بعطائهم. بشكلٍ غير مسبوق، بالنسبة لي على الأقل، تصبح عملية إطعام مايكل - الذي يتضوّر جوعًا - هي عملية عنف. لم يكن مايكل K بطلًا بالمعنى التقليدي. إذا طلب حراس المعتقل منه أن يقفز فسيقفز، وإذا طلب منه القفز ثانية سوف يقفز ثانية، وثالثة، حتى ينهار ويعود إلى المستشفى لتتم إعادة تأهيله حتى يصبح قادرًا على القفز مرّة أخرى. مثل قردٍ «غير مهم» لكنه أيضًا «غير منسي». أو مثل هامستر عالق في عجلة من العبث، أو حتى مثل سيزيف وصخرته اللعينة. إن تراجيديا مايكل تكمن في حقيقة أنه لم يقاوم، وأنه كان دائمًا ضحية للبيروقراطية المتغولة والأعراف العمياء، لكنه حاول دائمًا أن يفلت من القبضة الفولاذية للحربِ والدولة معًا، أن يعيش من أكل يرقات النّمل وشرب الندى، أن يكون بستانيًا يزرع اليقطين في الصحراء، أن يوجد خارج الحرب، وكأنَّ ذلك ممكن. بلغة متقشفة وحكاية متوحّدة تنهارُ جميع مزاعم الإنسانية في منطقها الغربي، وبرواية من أدب الحرب ليس فيها إطلاق رصاصة واحدة، أعتقدُ بأنَّ كويتزي كتب عملًا غير عاديّ، «عملًا أخلاقيًا» على طريقة كونديرا، وفأسًا للبحر المتجمّد فينا، على طريقة كافكا.