وفي صباح يوم جمعة يصعب نسيانه، رأيته في ساحل «السيب» يرفع سمكة كبيرة من ذيلها. كان متوترا وهو يبحث عن سيارة أجرة؛ جبينه المعروق مقطَّب ورقبته لا تتوقف عن الدوران. اقترحت عليه أن أوصله، فرجاني أن أسرع كي لا تُفسد الحرارة سمكته. طلب مني كذلك إشعال إشارات الخطر. وحين أوصلته وهمّ بالنزول تمتم، بنبرة مَن يكلّم نفسه: الحرارة لا تُحتمَل. في المرة المقبلة سأطلب سيارة إسعاف ﻹيصال السمك سالما إلى البيت!
محمود الرحبي كاتب من عمان ولد في أواخر عام 1969 بقرية سرور بعمان، درس الإجازة في الأدب العربي من جامعة الملك محمد الخامس بالمغرب. أصدر أربع مجموعات قصصية وروايتين. فازت مجموعته القصصية "لماذ لا تمزح معي؟" بجائزة أفضل إصدار قصصي في معرض مسقط للكتاب للعام 2008 ونالت مجموعته "أرجوحة فوق زمنين" بالمركز الأول في جائزة دبي القثافية عام 2009
ليس كما يوحي العنوان، إنما الكتابُ سبعُ قصص، بالإضافة إلى الثلاثِ قصص الجبلية.. تلك عشرة كاملة.
يتميز الرحبي ببساطة لغته مع سلاستها، يمتزج هذا مع خياله الأخَّاذ في السرد وفي الحكاية، الأمر الذي يجعل قراءة قصصه محببة.. إن الرحبي يصنع بحروفه البسيطة هذه أحلى أنواع الحلوى، ومن منا لا يحب الحلوى؟
قال لي الرحبي، ذات لقاء، إن أغلب قصصه التي يكتبها، لو لم تكن كلها، هي من وحي الواقع؛ مشاهدُ عايشها، حكاياتٌ سمعها، أساطيرٌ وصلته من هنا أو هناك، بنى عليها قصصه، وأضاف إليها شيئاً من خياله، هذا أعطى لحكاياته - كما نلاحظ في هذا الكتاب - بُعداً مختلفاً يليق بكاتبٍ بمقام محمود الرحبي.
أجمل قصة عندي هي آخرها؛ حوار نفسي (وأنا أحب الحوارات النفسية) مع رجل يهرب، فقط يهرب.. هرب من كل شيء، لكنه لم يستطع أن يهرب من نفسه.
هذه هي التجربة الثانية لي مع قصص الكاتب العماني محمود الرحبي وكما استمتعت بالتجربة الأولى لي مع أدب الأستاذ محمود الرحبي وقصصه في مجموعته الفائزة بجائزة السلطان قابوس للفنون "ساعة زوال"، جاءت هذه المجموعة لتثبت في نفسي ما اعتقدته سابقا وهو أن الرحبي ـ وهو بالطبع لا يحتاج لشهادة مني ـ هو قلم عماني بل عربي متميز واستثنائي في مجال القصة العربية القصيرة.
ويعود هذا من وجهة نظري الى الأسلوب الفريد الذي يكتب به محمود فإلى جانب لغته البراقة التي تجمع بين البساطة والجمال، يتميز محمود الرحبي في أنه وعلى خلاف البعض من الكتاب العرب لا يكتب بفوقية – إن صح التعبير في البعض - من أبراج عاجية محاولا تحدي قارئه أو إظهار تميزه على حساب ذلك القارئ بل إنه ينطلق في نصوصه من هموم البسطاء وقضاياهم وحكايتهم، إن في كتابته ببساطة صوت جامع رائع يصل إلى عقول النخبة و"المثقفين" بقدر الذي يصله فيه إلى قلوب عامة القارئ من أمثالي.
في هذه المجموعة المعنونة بإحدى قصصه "ثلاث قصص جبيلة" يقدم الرحبي لقارئه ثمان قصص قصيرة تتراوح في أحجامها بين ثلاث صفحات والاثني عشر صفحة، تتنوع فيها الأساليب والمواضيع بين الأسطوري والشعبي كما في قصص "ثلاث قصص جبيلة" و "سر رسالة الضحك" وبين النقد الساخر كما في قصتي "من يوميات خميس أوريل" و "سفنكس الخفي" بالإضافة إلى العادي/الاستثنائي في يوميات البسطاء والمهمشين في مجتمعاتنا كما في قصص " قهوة نورمال" ، "من تجليات جاري" ، "أطفال وطيور"، "المحارب في غرفة الطبيب" .
على من الرغم من الروح الطريفة ولغة الرائعة التي ميزت كل قصص المجموعة تقريبا الإ أن هناك ثلاث قصص كانت أقرب الى ذائقتي أكثر من غيرها، الأولى قصة "ثلاث قصص جبيلة" وهي ثلاث قصص رمزية تحمل بين طياتها شيئا من روح ألف ليلة وليلة والتي يعود بها الرحبي ولكن بلمحه معاصرة إلى حكايات ونوادر الأدب العربي التقليدي. والثانية قصة "من يوميات خميس أوريل" وهي من النقد السياسي الساخر يحول فيها الرحبي الصراع الخليجي إلى منافسة مستميتة بين مطعمين شوارما وأمريكا إلى صاحب العمارة التي يقع فيها هذان المطعمان. أما الثالثة والأقرب إلى نفسي، فكانت "المحارب في غرفة الطبيب" وهي عبارة عن محاورة رائعة وساخرة في آن واحد بين مريض يبحث عن ذاته وطبيبه النفسي.
تقع المجموعة في ٧٦ صفحة بين يدي الطبعة العربية الأولى عن الآن ناشرون وموزعون بدعم من الجمعية العمانية للكتاب والأدباء.
تقيمي الشخصي: ٧.٥/١٠
لقراءة اكثر من مائة مقال حول كتب قرائتها تابعوا حسابي في الانستجرام : @hamoodalsaadi