واحد من أهم المثقفين الذين أرسوا قواعد الثقافة العربية الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين. درس في الأزهر، وعمل قاضيًا، ومدرّسًا في مدرسة القضاء الشرعي، ثم أستاذًا للنقد الأدبي بآداب القاهرة، وعميدًا للكلية نفسها. كان أحمد أمين يكتب مقالًا أسبوعيًّا في مجلة "الرسالة"، كما رأس تحرير مجلة "الثقافة" التي كانت تصدر عن لجنة التأليف والترجمة والنشر والتي عمل رئيسًا لها أيضًا. اختير أحمد أمين عضوًا في مجامع اللغة العربية المصري والعراقي والسوري. صدر له عدد من المؤلفات كان أهمها "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" و"ظهر الإسلام" و"هارون الرشيد
ولعل كلمته: "أريد أن أعمل لا أن أسيطر" مفتاح هام في فهم هذه الشخصية الكبيرة.
أحمد أمين رحمه الله يمثل لى الأديب العاقل المنصف، لم تطغ عليه شعبة الجنون التى تلحق الأدباء، بحّاثة عالم بقلم أديب متضلع، وهذا من معرفة سابقة بكتاباته والإ فهذا الكتاب وطبيعته لم تسمح بظهور بالكثير مما أمتلكه إلا في مقدمته لديوان حافظ إبراهيم، وقد أحسن جامع الكتاب بتصديره بمقال ضاف للعلامة محمد رجب البيومي بعنوان "أمانة الكلمة في مقدمات الكتب" وكأنه يلخص طريقة العلامة أحمد أمين في تقديمه لكتب الآخرين.
*اسم الكتاب: :مقدمات أحمد أمين * اسم المؤلف : أحمد أمين * جمع وتحرير وتقديم : محمد بن سعود الحمد * نشر : المجلة العربية * المراجعة والتلخيص : لا يقف تراث أي عالِم أو كاتب على ما كتبه في مؤلفاته فقط ، بل يمتد ليشمل أيضًا تقديماته لكتب الآخرين .... من هنا جاءت محاولة محمد بن سعود الحمد لجمع مقدمات أحمد أمين لكتب كثيرة تختلف في موضوعها وطبيعة العلم الذي تندرج تحته ؛ليدلنا بالضرورة على شخصية موسوعية معرفيًا تتجلى في تلك المقدمات . ويمكن أن نستخلص من مقدمات أحمد أمين الكثيرَ من الفوائد والملاحظات ، مثل : 1- قدّم أحمد أمين كتابَ الشيخ أبي الحسن الندوي الأشهر ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟ ) ، وغيرُ خافٍ ما يحتويه هذا الكتاب من اعتزاز بالنفس المسلمة وإن كانت منهزمة حضاريًا أمام النَفْس الغربية وإن كانت منتصرة .بل قال أحمد أمين ذاته في المقدمة : " والكتابُ يدور حول فكرة جليلة ، وهي محاربة ما في نفوس المسلمين من مُركّب النقص بإحساسهم بضعفهم ، وانحطاط نفوسهم ، وإعزازهم للمَدنية الغربية ، وإعلاء شأنها أكثر مما تستحق ". والعجيبُ في الأمر أن أحمد أمين نفسَه كانت لديه تلك العُقدة المتمثلة في الخواجة المتفوق ، وكان يشعر بالنقص أمام الذات الغربية .وهذا ما أقرّه ابنه الدكتور جلال أمين نفسه في كتابه ( رحيق العمر ). وقد كانت تلك العقدة وأثرُها عليه في تبنّيه لآراء واهية لكونها صدرت من المستشرقين - مثارَ هجوم عنيف من شيخنا محمود محمد شاكر كما ذكر ذلك محمد حامد الأحمري في كتابه ( مذكرات قارئ ) فيما نقله عن حسين أحمد أمين . وهذا النقص تجلت آثاره في بعض آرائه مثل اعتباره الأدب العربي في مجمله أدبًا ضعيفًا سلبيًا يُعنى باللفظ لا بالمعنى وأدبًا تركيبيًا يُعنى بالاستعارات والكنايات والمجازات على حساب التحليل العقلي ...إلخ . وعلى الضفة الأخرى أقرّ بعكس هذه الصفات للأدب الغربي ، حيث جعله أدبَ قوةٍ وأدبًا معنويًا يُعنى بالمعنى وبالفكرة لا بالبهرج اللفظي الكاذب وأدبًا اجتماعيًا ينتشر وسط طبقات العامة لا أرستقراطيًا ينحسر في دائرة الملوك وبلاطهم .فيبدو أن تلك العُقدة كانت متمكنة منه إلى الحد الذي جعل كتابًا مثل كتاب الشيخ الندوي عاجزًا عن حل تلك العُقدة . 2- قام أحمد أمين بعمل مقدمة ودراسة نقدية لديوان حافظ إبراهيم تجلى فيها منهجه النقدي القائم على أساس المدرسة الاجتماعية . حيث ربط بين شعر حافظ إبراهيم وبين حياته و تقلباتها وبواعث نفسه ؛ فمثلًا علّل عدم نشر حافظ لقصيدة وطنية موقَّعة باسمه إبان ثورة 19 لكونه كان خائفًا على وظيفته وكان يخشى فقدانَها . وأرجع أمين أيضًا سببَ وجود نزعة الحزن والتشاؤم في شعر حافظ إلى حياته البائسة التي أطال في وصفها أحمد أمين .ومن جميل ما ذكر أيضًا امتيازُ حافظ إبراهيم في إلقاء الشعر ، لدرجة أن إلقاءه للشعر كان يؤثر بما يضاهي تأثير الشعر نفسه . وهذا يبرز لنا بدوره أهميةَ الإلقاء ودورَه في بيان جودة الشعر من عدمه . 3- قدّم أحمد أمين كتابَ ( تاريخ القرآن ) لمؤلفه الشيعي أبي عبد الله الزنجاني ، وعلل أمين - من ضمن ما علل - سببَ قيامه بذلك إلى كون المؤلف شيعيًا بينما أحمد أمين سُنّي ؛ فلعل ذلك يكون سببًا - ولو بسيطًا -في رأب الصَّدع بين أهل السنة والشيعة .وعلل أمين سببَ هذا الانقسام الشديد بينهما على مر التاريخ بعوامل السياسة وأهواء المستفيدين من هذه الحزبية النافخين بدورهم في نيران هذا الانشقاق. وهذا يدلنا على كون مسألة الانقسام الطائفي التي نعاني ويلاتها اليومَ مسألةً قديمة جديدة - كما لمس أحمد أمين بنفسه هذا الانقسام عند رحلته للعراق في عشرينيات القرن المنصرم كما ذكر ذلك في كتابه ( حياتي ) -. 4- قال سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه : " ليس العاقل من يعرف الشر من الخير ، إنما العاقل من عرف الخير والشر ، ثم تجنب الشر " هكذا علّل أحمد أمين في تقديمه لكتاب ( ثورة الخيام ) سببَ نشر مثل هكذا كتاب رغم احتوائه على شر كثير . وأضاف أنه يضع بين يدي القارئ خيرًا كثيرًا وشرًا كثيرًا وعلى القارئ أن يميز بنفسه بين الخير فيأخذه وبين الشر فيتجنبه .ومثلُ هكذا رأي يمكن أن نعممه على سائر الكتب التي فيها ما لا نقبله شرعيًا أو علميًا أو اجتماعيًا . 5- أثنى أحمد أمين على كتاب ( سيرة السيد عمر مكرم ) لكاتبه محمد فريد أبو حديد لكون الكتاب جامعًا بين الفكرة والأسلوب ، فلم يغب عنه في الكتاب تحقيقُ المؤرخ وتدقيقه ، كما لم يغب عنه إمتاعُ الأديب وأسلوبه ؛ فخرج الكتاب وكأنه رواية تاريخية ممتعة لا يمل القارئ منها ، حتى أن أحمد أمين ذاته ما إن شرع في قراءة الكتاب حتى أتمه على آخره رغم تخطيطه إنهاءه في أسبوع !..... ومثل هكذا رأي يمكن أن يعمّم كذلك على سائر الكتب ، فالأسلوب الأدبي لا ينقص من علمية الكتاب شيئًا بل على العكس يضفي على الكتاب نوعًا من السهولة والإمتاع، وأذكر أن العلامة محمود الطناحي قال أنه كَمْ من الرسائل العلمية كانت على أعلى الدرجات من العلمية والصواب ولكنها لم يُكتب لها الانتشار لافتقادها للأسلوب الأدبي الذي يجذب القارئ. وكنتُ قد قرأت كتاب ( رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ) لشيخنا العلامة محمود محمد شاكر فرأيتُ كتابًا تاريخيًا فكريًا كُتب بأسلوب أدبي رفيع جعلني أشعر كأنما أقرأ قصيدة شعرية ممتعة و من دون أن يُخلَّ ذلك بالمعنى ، فرحم اللهُ شيخَنا رحمةً واسعة. #مراجعات_قارئ