كلما هبت رياح الفتن وعصفت بالقلب أعاصير البلاء، اشتدت حاجة الإنسان إلى الاقتراب من مصادر الوحي، وبقدر ما يرتبط المسلم بالوحي على قدر ما ينعم بالحياة في رحابه، قال تعالى :- " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ " فشتان بين قلوب تحيا مرتبطة بالوحي فترتقي وتعلو وتتطهر، وقلوب يقل نصيبها منه فتُظلم وتضيق وتختنق، والناس بين هذا وذاك مراتب ومنازل. ومن أفضل الوسائل المُعينة على ذلك أن يتأمل المسلم في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى تدبر القرآن وفهم السنة، فهؤلاء الثلاثة من أعظم الأسباب التي تجعل القلب منيراً صافياً، وقد خاطب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى فقال :- ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ الشورى: ٥٢. وقد تجلت براعة السيرة النبوية فى كونها تجربة بشرية معصومة، خالية من الأخطاء، سالمة من العيوب، إما أصالة وإما بعد نزول الوحى بالتوجيه والتصحيح والتربية، لذا فمما تتمتع به أحداث السيرة أن القرآن قد علق على كثير من وقائعها، وعقب على أهم أحداثها، فلم تعد وقائع السيرة مجرد قصة أو حكاية وإنما صارت قرآنا يُتعبد بتلاوته، ويُهتدى بأحكامه وتعليماته. فما أحوج دعاة الحركة الإسلامية اليوم – قادة وجنوداً – أن يتأملوا فى أحداث السيرة، ويتعلموا فقهها، ويعرفوا مرادها، ويستنبطوا حِكَمها وأسرارها، إذ أن كثيراً من الحركات الإسلامية المعاصرة لم تضع فى برامجها ولا فى مقدمة أولوياتها دراسة هذه التجارب دراسة صحيحة - بعيداً عن النظرات الضيقة المحدودة والتأويلات الفاسدة الموجهه - ولو فعلوا ذلك لاختصروا من أعمار دعواتهم عشرات السنين، ولتجاوزوا صعاباً كثيرة عرقلت مسيرتهم، وشتتت جهودهم، وبعثرت خططهم وأحلامهم. والموضوع الذى بين أيدينا على درجة عالية من الأهمية والخطورة، خاصة فى هذه الأيام التى تمر فيها جماعات الدعوة الإسلامية بمحنة عظيمة، جعلت عدداً كبيراً من فصائل الصحوة يتخبطون خبط عشواء... ففى ظل غياب العلم، وتراجع مكانة العلماء، وتصدر أهل الجهل والحماسة، سقط كثير من الشباب فى محرقة الفتنة، فأتلفت جماعات منهم، ولم ينجو من ذلك إلا من عصمهم الله بنور الوحى، وببركة اتباع الدليل وتعظيم العلماء، فإن الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى. وقد اكتمل البحث في أربعة فصول كما يلي :- الفصل الأول : الفتح المبين " صلح الحديبية ". الفصل الثاني : أحداث الفترة بين الحديبية والفتح. الفصل الثالث : الفتح الأعظم " فتح مكة " ودروسه العظيمة. الفصل الرابع : نصيحة موضوعية لأبناء الحركة الاسلامية. كده 11 كتاب بفضل الله وده الجديد إن شاء الله:point_down: رحلة التمكين محطات على طريق الأمل فهذه جولةٌ تأمُّليةٌ في ظلال سورة الكهف، نهدف منها إلى إيقاظ الوعي لدى العاملين في حقل الدعوة الإسلامية؛ أن ميادين الإصلاح متعددة، وأن بوسعهم إذا فطنوا أن يجعلوا مِن الحياة كلها محرابًا للدعوة إلى الله، والتغيير والإصلاح. وسورة الكهف ضمَّت بين جنباتها أربعًا من القصص الرائعة، انتظمت في عقدٍ فريدٍ، ونظمٍ بديعٍ، كأنها حلقات من اللؤلؤ النفيس؛ لترسمَ لنا ملامح بارزة في طريق التمكين المأمول. القصة الأولى تأخذنا بصحبة شباب الكهف؛ ذلك الكهف الذي لم يَذكر لنا الله سبحانه وتعالى في سياق القصة مكانه، ولا موقعه ولا هيئته، وإنما ذكر فقط اسمه الدال على حقيقته، وأصبحت السورة بأكملها عَلَمًا عليه. وهؤلاء الشباب وإن كانوا مجهولين عند الخلق إلا أنهم معروفون عند الله؛ أعلى القرآن ذكرهم، وخلَّد سيرتهم إلى يوم الدين، وعلى الرغم من أن صفحات التاريخ زاخرةٌ بصور التضحية، ومليئة بأوسمة البطولة؛ إلا أنه كان لهؤلاء الفتية المزية العليا على غيرهم، فصارت لهم رمزية وخصوصية لم يفز بها إلا عدد محدود مِن البشر عبر التاريخ. مات هؤلاء الفتية في كهفهم، لم يُزَجّ بهم في السجون، ولم يُعلَّقوا على أعواد المشانق، ولكن جعل الله مِن قصتهم عبرة للأجيال بعدهم، في أن التغيير بيد الله، وأن الهداية مِن عند الله؛ فالدعاة إلى الله ينالون من خلال الدعوة شرف اللقب وشرف المهمة، ولكن الله وحده هو مالك القلوب، وبيده الأمر كله. أراد الله عز وجل أن يبيِّن لنا أن الواقع الأليم الذي عاصر الفتية طَرَفًا منه، والذي لم يكن لديهم في ذلك الوقت قدرة على الجهر بخلافه -فضلًا عن تغييره أو مقاومته-؛ هذا الواقع الأليم قد تغير في ظل غيبة هؤلاء الشباب في الكهف، فلم يكونوا سببًا مباشرًا فيه، ولم يشاركوا في تغييره، ولكن الله ابتعثهم بعد ما يزيد عن ثلاثة قرون ليشهدوا هذا التغير ثم ليرقدوا مكانهم مرةً أخرى. ثلاثة قرون في شعور النائم كأنها يوم أو بعض يوم، ولكنها في الواقع مدة طويلة كانت كفيلة بتغيير وجه العالم؛ ذلك ليبقى الدرس واضحًا لكل فتية في كل زمان ومكان: أن العجلة والتسرع ليست مِن مفردات ذلك الطريق؛ وإلا فمَن مِن البشر سيمتد عمره إلى ثلاثة قرون حتى يرى ثمرة عمله ونتاج غرسه؟! الكهف تقول لنا: إنه ليس مِن لوازم النصر أن يحضر الداعية حفلة الانتصار الختامية، بل يكفيه فقط أن يموت على الطريق حتى ولو مات في الكهف. فقد تمنَّى خالد بن الوليد رضي الله عنه أن يموت في ساحات الوغى، وهو السيف المسلول الذي لم ينهزم في موقعة حربية خاضها؛ لا في جاهلية ولا إسلام، ولكن قدَّر الله أن يموت على فراشه، حتى قال رضي الله عنه: "لَقَدْ لَقِيتُ كَذَا وَكَذَا زَحْفًا، وَمَا فِي جَسَدِي شِبْرٌ إِلَّا وَفِيهِ ضَرْبَةٌ بِسَيْفٍ أَوْ رَمْيَةٌ بِسَهْمٍ أَوْ طَعْنَةٌ بِرُمْحٍ؛ فَهَا أَنَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي حَتْفَ أَنْفِي كَمَا يَمُوتُ الْعِيرُ؛ فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبُنَاءِ!"( ). وهب أن الداعية عاش لقرنٍ أو قرنين مِن الزمان، فهل يضمن أن يمد الله في أجله حتى يشهد لحظة الانتصار؟! الكهف تقول لنا: إن النصر له أجل مكتوب، ووقت م...