بعض الكتب تحسبها وجدت من أجلك، من أجلك أنت فقط ! تقولين لي " أنت فنّي وفيلسوف وأنت شاعر ويجب عليك أن تكون سعيداً مقتنعاً لأنك فنّي وشاعر "
ولكن يا مي أنا لست بفني ولا بشاعر . قد صرفت أيامي وليالي مصوراً وكاتباً ولكن " أنا " لست في أيامي ولياليَّ.
أنا ضباب يا مي . أنا ضباب وفي الضباب وحدتي وفيه وحشتي وانفرادي وفيه جوعي وعطشي . ومصيبتي أن هذا الضباب ، وهو حقيقي ، يشوق إلى لقاء ضباب آخر في الفضاء . يشوق إلى استماع قائل يقول " لست وحدك، نحن اثنان، أنا أعرف من أنت.
اخبريني ، اخبريني يا صديقتي، أيوجد في هذا العالم من يقدر ويريد أن يقول لي " أنا ضباب آخر أيها الضباب ، فتعال نخيم على الجبال وفي الأودية. تعال نسير بين الأشجار وفوقها، تعال نغمر الصخور االمتعالي. تعال ندخل معاً إلى قلوب المخلوقات وخلاياها، تعال نطوف في تلك الأماكن البعيدة المنيعة الغير معروفة " قولي لي يا مي، أيوجد في ربوعكم من يريد ويقدر أن يقول لي ولو كلمة واحدة من هذه الكلمات؟
وأنتِ تريدين أن ابتسم " وأعفو "
لقد ابتسمت كثيراً منذ هذا الصباح. وها أنا ابتسم في أعماقي، وابتسم في كليتي، وابتسم طويلاً وابتسم كأنني لم أخلق إلا للابتسام .
أما " العفو" فكلمة هائلة فتاكة جارحة أوقفتني مخجولاً متهيباً أمام الروح النبيلة التي تتواضع إلى هذا الحد ، وجعلتني أحني رأسي طالباً منها العفو. أنا وحدي المسيء. قد أسأت في سكوتي وفي قنوطي لذلك استعطفك أن تغتفري ما فرط مني وتسامحيني."
تقول له: جبران أنتَ مصيبتي منذ أعوام!
ما هذا الجمال !!! حقيقي من اعذب ما قرأت كل قصة حُب هي أغربُ من الخيال..
علاقة أدبية تتحول إلى عاطفة استمرت عشرين عاماً، وقيل أن رسائلها أفضل من مقالاتها، إلا أن مي لم تنزعج من ذلك لأنها كانت تضع شخصيتها وكيانها في رسائلها. بدأ الكتاب في التعريف على مي وجبران، ولد جبران في لبنان في عائلة مسيحية محافظة، اضطرتهم الحياة للسفر إلى الولايات المتحدة، إلا أنه عاد إلى لبنان لدراسة الأدب العربي عدة سنوات، بعد أن عاد إلى أمريكا وفجع بموت أخته الصغرى وأخيه وأمه، انصرف إلى الكتابة، وهكذا تولد الكتابات العظيمة في رأيي. أما مي وتدعى ماري، ماري إلياس زيادة، ولدت في فلسطين، فقدت أخاها وهو صغير، عاشت ماري طفولتها في عزلة تقريباً لأنها كانت في مدرسة داخلية، كانت تكتب خواطرها بالفرنسية وكانت مليئة بالمشاعر. أنشأت مي في منزلها بالقاهرة صالون أدبي،
سمعت مي بجبران بعد سطوع نجمه في عالم الأدب، وقررت الكتابة له. تناقش جبران ومي في كثير من المواضيع منها الزواج والعلاقات والمرأة في المجتمع، انقطعت مي عن مراسلة جبران بسبب موقفه المتهكم ضد المرأة بعد أن قرأ لنيتشه. بعد أشهر رجع جبران وكتب لمي يوضح لها وجهة نظره ويستعطفها، عند اندلاع الحرب العالمية الأولى انقطعت مراسلات مي وجبران لفترة، وبعدها رجعت ثانية، .. كانت هناك الكثير من النقاشات في الرسائل حول كتاب المجنون، إذ أعارته مي اهتماماً كبيراً، في أجزاء أخرى من الكتاب تحدث جبران عن بعض مؤلفاته الأخرى، منها الأجنحة المتكسرة ، ودمعة وابتسامة.
سنة 1921 بدأت التلميحات تتحول إلى تصريحات للمشاعر في الرسائل المتبادلة، وقام بطلب صورة لها بطريقة غير مباشرة، شعرت من خلال رسائل جبران أنه تارةً يبدي إعجابه بمي وتارةً أخرى يتجاهل مراسلاتها تماماً عندما ينشغل بعمل جديد، أحياناً يناديها مي وماري ومريم وأحياناً صغيرتي، شعرت من خلال رسائلهم بعلاقة أبوية وأحياناً علاقة حب، أحياناً مي تناديه بجبران وأحياناً مصطفى وأحياناً حبيبي، لم يكشفها جبران أبداً عن حبه، وانقطعت عن مراسلته في تلك الفترة، كانت مي تتنقل بين الدول الأوروبية مستمتعة بالإجازة، بينما كان جبران يعاني من ضائقة مالية بسبب إفلاس مشروعه الصغير، ولكن كان جبران متلاعب جداً بالمشاعر.
توفي والد مي بنوبة قلبية، وفي نفس الفترة أخبر جبران ميخائيل نعيمة أنه مصاب بمرض الكبد، إلا أن الخبر وصل لمي.
أغلقت مي بعد ذلك صالونها ودخلت في حالة اكتئاب وأدخلوها مستشفى العصفورية، وبعد جهود من زمرة من الأدباء استطاعوا تخليصها من سجنها، إلا أن الاكتئاب كان ملازما لها، لقد أحبت مي جبران، وصرّحت له عن ذلك في رسائلها، إلا أن جبران لم يصرح بحبه أبداً، رغم كلام الحب الغامض الذي كان يراسلها به، وأكثر ما قاله: أنت تحيين فيّ وأنا أحيا فيكِ، أنت تعلميّن ذلك وأنا أعلم ذلك، ولكنه لم يصرح لها أبداً.
أرى أن أسلوب جبران كان أنانياً نوعاً ما، إذ كان يتلاعب بالألفاظ ويجعل رسائله تحتمل الكثير من المعاني، قال لها في أحد الرسائل: أنت حبيبتنا، بدل قوله حبيبتي، فبهذا تسقط عنه تهمة الشخصنة، وينسبها إلى الجماعة الأدبية الأخرى وهو معهم.
لقد كانت حياة مي تعيسة رغم بذخها وأسفارها في البلدان الأوروبية، ولم أفهم أبداً عدم سفرها إلى أمريكا وملاقاة محبوبها، ربما لخوفها من حكم الشرقيين عليها.
الكتاب يعتبر من أدب الرسائل الرفيع جداً، وخاصة رسائل جبران الأدبية، أسلوبه ساحر للغاية.
إن قصة مي وجبران هي من أغرب قصص الحب التي شهدتها الأوساط الأدبية، لم يلتقيا أبداً، ولكنهما عاشا مع بعض في رسائلهما المليئة بالمشاعر والأحاسيس.
كانت رسائل جبران جميلة جدا .. و لغتها رائعة وبديعة و حاول ان يصف فيها مكامن نفسه بطريقة جميلة ووضع فيها الكثير من فلسفاته الخاصة و اما عن مي زيادة فقد اعجبني صبرها .. لا أدري ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانها ؟؟ أحببت أسلوب مي و صبرها ووقوفها المعنوي الى جانب جبران :(
" أجمل مراحل الحب هي التلميح به " الرسائل مليئة بالتلميحات والعواطف، يحزنني أنهم لم يلتقوا مطلقا ، لم تبدو أسبابهم منطقية بالنسبة لي . الجدير بالذكر أن الكتاب مقتطفات من الرسائل وليس جميعها .
تبدا احداث الكتاب مع بطلين الا وهما جبران خليل جبران ومي زيادة وقصة حبهم الغربية جدًا أحسست بأن جبران لم يحب مي كحبيبة او كصديقة او حتى كأخت هو بنفسه لا يعلم وكذلك بأن في الرواية ان كلا الطرفين كانوا متخوفين ومترددين وما الحياه بلا خوف وتردد؟
وأيضًا كلهم غلطوا في حق أنفسهم وفي حق الطرف الأخر أغُرمت في رسائلهم لبعضهم الأخر أحسست كأني طرف مستمع لهما في علاقة حقيقة استمرت مدة هالعلاقة ٢٠ سنة !!! يا للصدمة لما أنتهيت من القصة وصلتني مشاعر جبران خليل جبران وأقفلت الكتاب وشعرت بالكتمة
أكثر شي لامسني والى اليوم أفكر فيه عندما قال جبران :
أنتِ تحيين فيَّ وأنا أحيا فيكِ أنتِ تعلمين ذلك وأنا أعلم ذلك
لم يلتقيا ابدًا، لكنهما عاشا قصة حب عجيبة لعدة سنوات دون الاعتراف المباشر و دون ان تلتقي اعينهم ولو لمرة واحدة احيانًا كنت اشعر ان جبران يحبها كأبنة و احيانًا كمحبوبة و لكنه كان انانيًا بمشاعره التي كانت واضحة و لكن لم يعبر عنها بشكل مباشر ابدًا و اتسائل لماذا؟خصوصًا بعد اعتراف مَي المُباشر انها تحبه
" ها أنا وحدي أيها الليل فألهمني ما عليَّ ان ادرك ، ها انذا مستعدة ايتها الحياة فسيرّيني حيثَ يجب أن اسيرْ ". || ميّ زيآدة . . . " أنت تحيينَ فيَّ وانا احيآ فيك ،، أنتٍ تعلمينَ ذلك وأنا اعلم ذلك " .|| جبرآن إلى ميّ زيادة .