مراحل عديدة مرَّت بها طريقة الكتابة في اللغة العربية لتصبح بالشكل الذي هي عليه الآن. ونظرًا لأن العربية في بداية نشأتها كانت لغة منطوقة لا تملك شكلًا خاصًّا لحروفها؛ فقد استعارت من الحضارات المحيطة شكل حروفها من الخطَّين المُسنَد والنَّبَطي، ومع انتشار الإسلام وقيام دولة الخلافة، تعاظمت الحاجة إلى تدوين النصوص والعلوم الدينية، فتطورت الخطوط العربية، وأصبحت فنًّا قائمًا بذاته، كما ظهرت حلول توفيقية جديدة لتطوير الكتابة وجعلها أكثر وضوحًا؛ فأُضِيفت النقاط للحروف لتمييزها، كما ضُبطت الحروف بالحركات لتحل مشكلة الكلمات ذات الرسم الواحد والمعاني المختلفة، ولكن المؤلف يرى أنه على الرغم ممَّا كان من تطوُّر، فإن طريقة الكتابة العربية لا تزال في حاجة إلى المزيد من الإصلاحات والإضافات، ويقترح إدخال حروف ورموز جديدة، والتحرُّر من أَسْر علامات الإعراب.
بطرس جبرائيل يوسف عواد والمعروف بالأب أنستاس الكرملي
أنستاس ماري الكرملي: رجلُ دينٍ مسيحي، وعالِمٌ لُغوي، حظِيَ بمنزلةٍ كُبرى ومكانةٍ رفيعةٍ بين علماءِ عصرِه الغربيِّين والشرقيِّين على حدٍّ سواء، في النصفِ الثاني من القرنِ التاسعَ عشَر.
وُلدَ «بطرس جبرائيل يوسف عواد» في بغداد عامَ ١٨٦٦م لأبٍ لبنانيٍّ وأمٍّ بغدادية، وأصلُ أسرتِه من إيطاليا ولكنَّهم انتقلوا منها إلى لبنان وظلُّوا بها مدةً طويلةً ثم هاجَروا إلى بغداد. تلقَّى تعليمَه الأوَّليَّ في «مدرسة الآباء الكرمليين» في بغداد؛ حيث تخرَّجَ فيها عامَ ١٨٨٢م، وبعدَها عُيِّنَ مُدرسًا للُّغةِ العربيةِ في المدرسةِ نفسِها. وفي عامِ ١٨٨٦م غادرَ بغدادَ إلى لبنانَ ودخلَ «كلية الآباء اليسوعيين»؛ حيثُ درسَ اللغةَ العربيةَ واللاتينيةَ واليونانيةَ وآدابَ اللغةِ الفرنسية، وبعدَ أن أنهى دراستَه سافَرَ إلى بلجيكا عامَ ١٨٨٧م حيث تَرهبنَ ودرسَ اللاهوتَ في فرنسا، وفي عام ١٨٩٤م رُسِمَ قِسيسًا باسمِ «أنستاس ماري الأليلوي»، وفي العامِ نفسِه عادَ إلى العراقِ حيث أدارَ «مدرسة الآباء الكرمليين» لمدةِ أربعِ سنوات، وبعدَها تركَ التدريسَ وعكفَ على الكتابةِ والتأليف، وكان له مجلسٌ يُسمَّى «مجلس الجمعة» في «دير الآباء الكرمليين» في بغداد؛ حيث كان من أهمِّ مدارسِ بغدادَ اللُّغويةِ والتاريخية، وكان يَترددُ عليه علماءُ اللغةِ العربيةِ وأعيانُ البلد، ومِن روَّادِ المجلسِ الشيخُ «جلال الحنفي».
شغلَ العديدَ من المَناصب؛ حيث كان عضوًا في مَجمعِ المَشرقيَّاتِ الألمانيِّ عامَ ١٩١١م، وعضوًا في المَجمعِ العلميِّ عامَ ١٩٢٠م، وعضوًا بارزًا في مَجمعِ اللغةِ العربيةِ عامَ ١٩٣٢م، كما كان عضوًا في لجنةِ التأليفِ والترجمةِ بوزارةِ المعارفِ من عامِ ١٩٤٥م إلى عامِ ١٩٤٧م، واختيرَ عضوًا في المَجمعِ العِلميِّ العِراقي.
له مُؤلَّفاتٌ كثيرةٌ نذكرُ منها: «مُعجم المساعد» الذي وقعَ في خمسةِ مُجلداتٍ ولم يُنشَر منه سوى المجلدِ الأولِ عامَ ١٩٧٢م، و«أغلاط اللغويين الأقدمين»، و«نُشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها»، و«الفوز بالمراد في تاريخ بغداد». كما قامَ بتحقيقِ عددٍ من الكتب، منها: «معجم العين» ﻟ «الخليل بن أحمد الفراهيدي»، و«نُخب الذخائر في أحوال الجواهر» ﻟ «ابن الأكفاني».
بعد عودتِه إلى بغدادَ اشتدَّ عليه المرضُ وانتقلَ على أثرِه إلى المستشفى التعليميِّ ببغداد، ولكنه لم يَلبثْ به طويلًا، وتُوفِّي عامَ ١٩٤٧م.
أتّفق مع الكاتب في وجوب استخدام التشكيل لتيسير قراءة الأحرف العربية، وأتّفق معه في ضرورة الإتيان بتشكيل يدل على الإشمام والإمالة وغير ذلك من الأصوات الأجنبية، لكنّي أختلف معه في جعل مزايا الحروف العربيّة على أنّها عيوب، وأختلف معه في حلّوله المقترحة لتجاوز القصور.
- أنا ممتنة أنّنا لم نتعلّم القراءة حسب حلوله، لأنّني أجدها تشويهًا لكامل اللغة.
كُتيب صغير ينقاش فيه الكاتب عيوب الكتابة العربية الحديثة والتي تقف عائقاً أمام تقدمنا حسب زعمه، كما أنه يدعو لإدخال تحسينات في الكتابة الحديثة لمواكبة اللغات الأخرى.
لا يمكنني أن أتفق معه بأي شكل من الأشكال، فكل ما ذكره من نقاط هي في نظره عيباً، تُمثل بالنسبة للعربية سمات وصفات مميزة، والتحسينات التي أدخلها إنما ستكون سبيلاً لمسخ العربية، وما تلك التحسينات إلا محاولة غير مباشرة لتأكيد فكرة أن العربية تابعة للغات الأخرى، وأنها في ذاتها قاصرة ناقصة حاشاها ذلك.
تعدد أوجه القراءة للكلمة الواحدة، وجود التشكيل والضبط اللغوي، التعبير عن المعنى بألفاظ قليلة، كل هذا من سمات العربية، ونفخر بها كما هي بتعقيدها وصعوبتها وعراقتها.
رسالة في محلها من حيث الإشارة إلى صعوبة اللغة العربية من ناحية التعلم وغيرها من الصعوبات ولكن الحلول التي إقترحا الكاتب إنما أعتبرها أنا مسخًا للغة العربية ولا أدري لمَ لم يرقني تأكيده وتخوفه من التحول إلى الحروف اللاتينية بينما حلوله لم تخلُ من التشويه الواضح للغة لا أقل من مخاوفه المزعومة.
شخصيا أراه مبالغة في التجديد، فيه شيء من التنصل من الهوية العربية، لا نرى أمة تحاول تغيير لغتها لتواكب لغات الأجانب لعلة تقدمهم. لم نرَ الإنجليزية تحاول تبني الأصوات العربية أيام العصور الوسطى مثلا! كما أن ما يراه الكاتب عيبًا أراه ميزة، إن واحدًا من أسباب حبي اللغة العربية ما تصنعه التفاصيل الصغيرة بها من تغيرات وأعاجيب! ثم أن أبناء العربية يمكنهم تعلم الأصوات الجديدة بسهولة بالغة مقارنة بأقرانهم من متحدثي اللغات الأخرى، أيعاني إنجليزي في نطق حرف الخاء مثلا كما يعاني عربي في نطق حرف ال V الأعجمي؟ بالطبع لا! كشخص مهتم بتعلم اللغات الأجنبية، تحديدا الآسيوية؛ فإن كوني ناطقة بالعربية سهّل عليّ نطق أصواتهم بسرعة أكبر، سواء الساكنة والصائتة، في حين استغرقت بضع دقائق لإتقانها، يمضي غير الناطقين بالعربية سنين عدة من المعاناة مع صوت واحد! خلاصة القول، نحن بالتأكيد في حاجة التجديد، لكن ليس كما يقترح الكاتب، على الأقل في رأيي المتواضع.
يَبين ضعفه ونقصه فيها لصاحب أدنى معرفة، أعني معرفةَ مطالعة كبار كتب النحاة وأهل العربية، لا معرفة مطالعة متون التدريس. ولا أدري على أيش يحمدونه هؤلاء؟ وليس شأنها جديرًا عندي بالردِّ والاعتراض، وإنما أريد بما قلته أن يُعرَف وجوده عند العارِفين، وأنه لا يكاد يُسلَّم له من قيله شيء البتة. ومعلوم أني لن أخطَّ لك ذلك في تعليقات "قُدْريدز".
كُتيب صغير أقرب للمقال، تحدث فيه المؤلف عن النواقص في الكتابة العربية، وضرورة تحديث نظام الكتابة لتشمل الحروف المنطوقة والأصوات باللغات الأجنبية التي لا طريقة لكتابتها بالعربية.
لم يسبق لي أن وقفت على كتاب أو مقال يتحدث عن هذه المسألة، لكنها فعلًا نقص واضح يحتاج لتدخل أهل اللغة.