عندما سئل أستاذ القانون فيليب إي. جونسون إن كان قد تجاوز تخصصه عندما كتب في التطور، والداروينية الجديدة والتصميم الذكي، فقدم الإجابة المثيرة التالية، وهي إجابة ذات صلة وثيقة بجميع القراء والباحثين المهتمين بأصل الإنسان ممن ليسوا من علماء آثار الإنسان القديم paleoanthropologists:
حسنًا إن كنتُ تعديت اختصاصي، فلا ريب أنّ تشارلز داروين قد تعدى اختصاصه أيضًا لأنّه قد تعلم الطب واللاهوت لكنه كان بالفعل عالِمًا جيدًا جدًا، تعلم ذاتيًا، فهو من السادة الهواة كآخرين من معاصريه، فقد كان تشارلز ليل Charles Lyell مؤسس علم الجيولوجيا الحديثة محاميًا. بطبيعة الحال وكما تعلم يتميز التطور الدارويني اليوم بأنّه مفهوم فلسفي عام يربط بين العديد من مجالات العلوم المنفصلة، حتّى أنك ترى عالم الأحياء الجزيئي يعتمد على خبراء الحفريات، وعلماء الآحافير، والعكس بالعكس. ويعتمدون جميعهم على علماء الوراثة، إنّ كل عالم من العلماء عندما يتعدى تخصصه يتصف بالمعرفة العامة فقط generalist، أي يكون مجرد شخص عادي كأي شخص آخر، ولذلك لا يوجد فعلاً أي متخصص في التطور، فهذا مجالٌ معرفي مشترك.
لابد أنك تعثرت يوماً بالصورة الأيقونية الشائعة عن تطور البشر. على اليسار يوجد قرد، وإلى اليمين إنسان. وبينهما سلسلة شخصيات تتدرّج لتصبح شبيهة بالبشر. سبب شيوع هذه الصورة الكاريكاتورية أنها كافية لتنقل بصرياً للقارئ الجاهل بنظرية التطور الأصل التدريجي للبشر، في حين أن مقتضى نظرية التطور نفسه كما سنرى يخالف هذه الصورة.
أيقونة التطور الشهيرة
في هذا المقال، يفنّد د. لونيج عالم النبات بمعهد ماكس بلانك بألمانيا بدون تفصيل كبير عدداً من أيقونات التطور الزائفة عن تطور البشر من سلف مشترك مع الشمبانزي. يفتتح لونيج مقاله بأيقونه تدرج تطور البشر الشهيرة مؤكداً على حقيقة بالغة الأهمية. وهي أن خلاصة نظرية التطور وجوهرها التي "ستبقى نفسها اليوم وغداً وإلى الأبد" على حد تعبيره، هي "نزعة التدرج" كما بيّن داروين في كتابه الشهير. فالكائنات وفقا لنظريته تطورّت من بعضها نتيجة لتراكم تغييرات متناهية الصغر يقوم الانتقاء الطبيعي بالانتقاء منها. هذا لأن الانتقاء الطبيعي لا يمكن أن يعمل إلا من خلال الاستفادة من حدوث اختلافات متتالية طفيفة، أي أنه لا يمكنه "القفز". هكذا يقرر داروين بوضوح لا لبس فيه: "لا يمكن أن يحدث الانتقال بين الأنواع وفقاً لنظريتي إلا عن طريق تدرجات صغيرة لا تعد ولا تحصى."
إذا كان هذا مقتضى النظرية، فكم عدد التدرجّات أو الحلقات الانتقالية في المسار التطوري المفترَض للبشر من سلف مشترك مع القردة العليا؟ ملايين؟ آلاف الحلقات؟ إذن أيقونة التطور التي تظهِر هذا التحول السلس والمنتظم من خلال أربع أو خمس حلقات هي أيقونة زائفة.
أما على أرض الواقع، فعلماء التطور أنفسهم ينفون توقّع العثور على هذه السلسلة. يقول عالم الأنثروبولوجيا جيفري شوارتز: "لا ينبغي توقُّع العثور على سلسلة من الأشكال الأحفورية الوسيطة بأصابع قدم كبيرة يتناقص تباعدها بالتدريج، وفي الوقت نفسه تتناقص سماتها الشبيهة بالقرود مع ظهور عدد متزايد من السمات البشرية الحديثة."
بل سنجد علماء التطور يستخدمون مفردات تنافي مقتضى نظرية التطور "التدرجّي" عندما يتحدثون عن ظهور البشر؛ مثل: "انفجار نشأة الإنسان" و"تغييرات مفاجئة ومترابطة تشكّل عنق الزجاجة" و"الظهور التطوري المفاجِئ". يلاحظ لونيج هذه المفردات: "انفجار"، "مفاجئ"، "عنق زجاجة". ترى هل تتفق هذه المفردات مع مفردات داروين: "تدرجات بطيئة"، "تدرجات صغيرة لا تعد ولا تحصى"؟
في كتابه "المهرطِق"، لاحظ ماتي ليسولا عالم التقنية الحيوية الفنلندي أمراً مشابهاً مع علماء بيولوجيا النظم Systems Biology عندما وجدهم يستخدمون مفردات تنافي مقتضى نظرية التطور عن الطفرات العشوائية واللاغائية. تتضاءل أهمية الانتقاء الطبيعي والصدف العشوائية في بيولوجيا النظم، وتتسع دلالات التصميم والغائية. يُستخدم في هذا الحقل مصطلحات مثل: • الوفرة Redundancy: وهو وجود نظم بيولوجية احتياطية لجعل الخلية أكثر تحملاً. • الاستهداف Targeting: لأن الإشارات البيولوجية لا تسبح بعشوائية داخل الخلية، بل لها عنوان محدد. • التوقيت والتزامن Timing: النظم البيولوجية تتميز بالتوقيت المثالي لكافة العمليات الحيوية، وأي شذوذ يقابله وسيلة إصلاح محكمة.
أين هذا من العشوائية والصدف العمياء واللاغائية التي تزخر بها نظرية التطور؟ يعترف باحث البيولوجيا الخلوية فرانكلين هارولد: "ينبغي أن نعترف بعدم وجود تفسيرات داروينية مفصّلة حالياً عن تطوّر أي نظام كيميائي حيوي أو خلوي، وإنما مجموعة من التخمينات الرغائية."
عندما نشر داروين نظريته لم يكن لديه أدنى فكرة عن تعقيد الحياة على المستوى الجزيئي داخل الخلية. كان جاهلاً بالمسارات الحيوية المحكَمة، والنظم البيولوجية الأنيقة، والجزيئات البيولوجية الدقيقة. كان يعتقد أن الكائنات وحيدة الخلية بسيطة للغاية، لدرجة أن بدا له أن "الحياة" تُنتَج من المادة الميتة على الدوام! لهذا يعتقد ليسولا ولونيج وغيرهم من العلماء ضرورة فحص حدود نظرية التطور في ضوء الكشوفات العلمية الحديثة.
واحدة أخرى من أيقونات تطور البشر الزائفة هي تشارُك البشر والشمبانزي في ٩٨,٥٪ من تسلسل الحمض النووي. وعلى الرغم من دحض هذه المعلومة، إلا أن هذه النسبة مازالت تتكرر بالكتب والأوراق العلمية. بل إن المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بواشنطن يعلق يافطة تخاطب زائريه البالغ عددهم ٤ ملايين زائر سنوياً ب: "تشتِرك مع الشمبانزي في ٩٨,٩٪ من الجينوم" "You and chimpanzees are 98.9% genetically similar.”
يقول الأستاذ ريتشارد بوجز التطوري في جامعة كوين ماري بلندن: "النسبة المئوية الإجمالية الجينوم البشري التي أعلم تطابقها مع جينوم الشمبانزي هي ٨٤,٥٪." هذا يعني وجود أكثر من ٤٥٠ مليون اختلاف! ليس هذا فحسب، فمع تطوّر الكشوفات العلمية بدأت تظهر اختلافات عميقة بين القردة والبشر تتجاوز تسلسل الحمض النووي، وهي اختلافات فوق چينية تحوي عشرات العمليات التنظيمية.
ترى آن جوجر عالمة البيولوجيا الجزيئية أنه من أجل التدليل على وجود سلف مشترك لابد من الإتيان بالأدلة والبراهين على أمرين: المسار التدريجي لهذا التطور وهو أمر ينفيه التطوريون أنفسهم كما رأينا حتى في تعبيرهم عن نشأة البشر بالانفجار. والثاني أن يكون الإطار الزمنى المقترَح لهذا المسار والآليات المقترحة مقنعة بما يكفي. ولا يمكن لمقتضيات التطور من الطفرات العشوائية والتدرج والانتقاء الطبيعي في الأطر الزمنية المقترحة، أن تفي بمتطلبات الانحدار من السلف المشترك.
لا يغوص د. لونيج كثيرا في كل عنوان طرحه في هذا المقال، ولكنه يقدّم ما يمكن أن يكون نقطة انطلاق للمزيد من البحث في كل موضوع.
مقالة في نقد أهم دعائم الداروينية الجديدة/التركيبية، بلسان أهم أساتذة التخصص، لهؤلاء الذين يظنون أن لا أحد يفهم الأمر من العرب وهزمتهم الثقافة الغربية، نسأل: هؤلاء أيضًا يسعون لبيان ضعف النظرية؟ وأحببت كثيرًا ما استهل به الكاتب المقالة وهي في تعريف الكتاب هنا.