"أحسست وأنا أدلف من باب القصيدة الأخيرة فيها أنني أمام شاعر حقيقي موهوب ومؤسس فكرياً معاً، ومسلَّح بصوت له فرادته في المشهدين الشعريين السوري والعربي اللذين أتابع سيروراتهما وصيروراتهما منذ نصف قرن ونيف."ِ
- أزراج عمر، شاعر وناقد ثقافي جزائري-بريطاني
ساءلتُ نفسي مرّات ومرّات عمّا أريد للشعر الذي أقدّمه أن يكون. ماذا أريد له أن يكون في زمنٍ غير شعريّ أبداً؟ وماذا أبتغي منه أنا الرازح تحت وطأة العجب من إصرار العالم على تدمير نفسه بنفسه، المرتعش أمام كثرة من التصوّرات؟ فأجابتني التي سألتُها من بين شعاب الفضاء بأنّ الشِّعر وقفة تأمل وتساؤل. إنّه أعمق نقد يمكن للمرء أن يوجهه إلى الزمان وحوادثه. إنه التوقّف...رفض التسليم الأعمى بهرطقات التقدم التي لا تستند إلّا على النزعات الآنية والجشع المنقطع النظير. الشِّعر ليس أيضاً رجوعاً إلى الخلف، بل هو توقّف من أجل النظر والسؤال وإعادة ترتيب التفاصيل، وجرأة على تخيّل العالم بألف شكل يختلف عما هو عليه الآن. أحياناً يكون الجدل بالحجّة انجراراً غير موفّق إلى ملعب الخصم المدجَّج بأحابيله التي اشتغلت على إتقانها السنون الطويلة. ولكن الشِّعر يأتي ليقول كلمته بعد أن نظر ملياً إلى وجه العالم وكفّ عن انتظار إجابة سبق وسمعها مئات المرّات. الشعر ترميمٌ للوجدان وقراءةٌ لأحداث لم تكن (وماذا لو كانت؟) وبُنيانٌ جديد لتاريخ أزمنة عيشَت واستحقت أن تُسجَّل وأن يكون لها استطالة لم يسمح بها الزمن العجول أو نهاية لا يسمح بها التاريخ الذي لا يسبر غوره أحد. ومع ذلك فإنّ الشعر ليس رثاءً لما لا نستطيعه ولا مجرّد وقوف على الأطلال، بل هو احتفاء بكثرة الإمكانيات التي تختزنها الأحداث وفَرَحٌ بها. ألعلّ الفرح بالصورة الأخرى للشيء أو للحدث يتحوّل إلى مسعى جدّي للوصول إليه؟ إنّه أيضاً تصوّر للعالم من دون الانقياد لما تتطلّبه بالضرورة المحاججة التي تعتمد على مزيج من المنطق وحنكة التلاعب بالكلام وعلى الالتفاف على إرادة العيش المُسالِم والمتمهّل عبر وعود الامتلاك الذي لا يمكن إشباع نهمه. قد يكون الشِّعر أيضاً وأيضاً ثقةً بشراكة السماء والأرض ورجاءً بالوجه الطيب الذي يظهر ويغيب ولكنه حاضر. إنه خروج الكلمة من الأرض، مليئةً بالثقة بأنّها سترى الوجه العليّ من خلف السحب ومن بين تيارات العواصف تماماً كما تراه في دائرة الزرقة عند انتصاف الظهيرة وأنّ الملائكة ورعاتها يتحركون ذهاباً وإياباً بين كروم الأرض ومساكن السماء.