تتحدث رواية «دكتور غلاس» عن حياة طبيب وحيد يعيش في ستوكهولم. وتتخذ الرواية شكل يوميات دوّنها ذلك الطبيب بين شهري يونيو وأكتوبر في بداية القرن العشرين. والهاجس الأساس لدى الطبيب تيكو غابرييل غلاس هو البحث عن فعل أو إنجاز كبير يُخرجه من حالة السأم وعدم الجدوى التي يعيشها. ثمّ يتطوّر ذلك الهاجس ليتحوّل إلى قرار بقتل أحد مرضاه، وهو القِسّ غريغوريوس الذي يشعر باشمئزاز منه وبغض شديد له. لكن بغضه للقِسّ غريغوريوس ليس السبب الوحيد الذي يدفع الطبيب غلاس إلى الرغبة في قتل القِسّ، بل يتعلق الأمر أيضاً بامرأة، وهي هيلغا زوجة القِسّ. وفي بدايات يومياته، يقول الطبيب محدثاً نفسه: «... وأشعر في هذه اللحظة كما لو أنني الشخص الأشدّ وحدة في هذا العالم. أنا، الدكتور تيكو غابرييل غلاس، الذي يساعد الآخرين أحياناً، لم أستطع أبداً مساعدة نفسي». لكن الفعل الذي يتوق غلاس إلى ارتكابه شديد الخطورة، لذا ينخرط في مراجعات وتقييمات لعواقب «الفعل» الذي يخطط لارتكابه، فيتنازعه صوتان أحدهما يحذره، في حين يشجعه الآخر ويحثه على الإقدام. وخلال حواراته الذاتية الطويلة، يتطرق غلاس إلى القيم الأخلاقية والمفاهيم الفلسفية والدينية والنظرة إلى الذات والعالم. لكن هل سيقتل الطبيب غلاس مريضه القِسّ غريغوريوس بالفعل؟
صدرت حديثاً الترجمة العربية لرواية «دكتور غلاس» عن دار سامح للنشر في السويد في 200 صفحة، ترجمها عن اللغة السويدية سامح خلف، وهي الجزء الثاني من سلسلة «الأدب الكلاسيكي السويدي» التي تخطط الدار لإصدار أجزاء عديدة أخرى منها. يعيش الدكتور غلاس حياة وحدة أقرب إلى العزلة في ستوكهولم. يستقبل مرضاه ويزور بعضهم وليس له أصدقاء سوى عدد قليل لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. لكن أيامه التي تمر بطيئة، وراكدة وخالية من كل جديد، انقلبت فجأة إلى حال أخرى من الإثارة والتوتّر والتشويق، بعد أن زارته إحدى مريضاته شاكية له مشكلة حياتها مع زوجها القِسّ غريغوريوس راجية أن يجد لها حلاً لمعضلتها. لكن إلى أي مدى يمكن للدكتور أن يذهب في مساعدته للمرأة الشابة هيلغا غريغوريوس؟ هل سيبيح لنفسه قتل زوجها القِسّ الذي يكبرها في السنّ، لكي يتاح لها العيش كما تريد مع خليلها الشاب؟ هل يحق للإنسان أن يقتل إنساناً من أجل مساعدة إنسان آخر؟ هذا هو السؤال المركزي والفلسفي الذي يطرحه المؤلف في روايته هذه التي صدرت أول مرة في بداية القرن العشرين على شكل يوميات تغطي بضعة أشهر من حياة الدكتور تيكو غابرييل غلاس. وإلى جانب السؤال الصعب الآنف الذكر، ثمة مسائل أخرى يطرحها المؤلف في سياق سردي، تتعلق بالأخلاق، والسلطة، والضمير، والعلاقات الاجتماعية، والزواج، والعزلة، والدين، والعيش في ستوكهولم في مطلع القرن الماضي. وفي يومياته، يسرد بطل الرواية الدكتور غلاس الكثير من تفاصيل الحياة ونمط العيش في العاصمة السويدية ستوكهولم في ذلك الوقت حيث بدأت تتشكّل ملامح المجتمع السويدي الحديث، وحيث وُضعت الأسس لما شهدته السويد لاحقاً من تطور وترسيخ للديمقراطية.