هنا نرى شقيقة شوبان تغامر في رحلة محفوفة بالمخاطر لكي تعيد قلبه سراً إلى وارسو بعد موته. نرى امرأة تعود إلى مسقط رأسها في بولندا لكي تحقن بالسم حبيب صباها الذي يرقد طريح الفراش في سكرات مرضه الأخير.
عبر شخصيات وقصص مرسومة ببراعة، ومحبوكة بتأملات مؤرّقة، ولعوبة، وموحية، تستكشف "رحّالة” معنى أن تكون مسافراً، طوّافاً، جسداً في حالة حركة ليس فقط عبر المكان وإنما عبر الزمن أيضاً. من أين أنت؟ من أين أتيت؟ إلى أين تذهب، هكذا تسأل المسافرين حين تلتقيهم. ورواية رحّالة الفاتنة، بمثابة إجابة تطرحها كاتبة من كبار الحكّائيين في عالمنا. قلق جميل حافل، جعبة مليئة بحكايات الحجّ والحجّاج، والأسباب – الخفية، الشجاعة، والمتهورة &nda
رحالة لم ولن تقصّر أولغا توكارتشوك المسافات بين شكل الرواية الكلاسيكية و المابعد حداثية، بل سنجدها ( تقطع أوصال أورفيوس الرواية) لتعيد تشكيل مبناها، الذي ينطلق من رؤية أن العالم في أصله متحرك ولا معنى للحياة بالسكون، فهل الأدب بمعزل عن هذه الحركة؟ ترتحل نصوص كتابها ولا تعترف بسكونية التصنيف الجنوسي للأشكال الأدبية، فما بعد الحداثة جاءت لتقوض كل ما اعتاده هذا العالم من قواعد و أشكال، حالة من"لسيولة الأدبية" إن طبقنا توصيف زيجمونت باومان لتصل إلى شكل الرواية و يجعلها تتخذ من حالة الشكوكية و اللايقين منطلقاً لها، بحثاً عن الهوية و الذات. تغيب الحبكة المركزية في هذه الرواية، فلا تصاعد للأحداث ولا نقطة تأزم، ويتشظى مع غيابها الزمن، وتنساب الذكريات ويظهر للسطح( تيار الوعي) فكما تتدفق الأفكار والمشاهد في أحلامنا بلا منطق يجمعها، تتدفق أحداث و ذكريات الراوية. لكن أليس التعبير عن اللانظام شكلاً من التعبير عن ( نظام ما)؟ ، أليس في تفكيك هيكل الرواية بناء لشكل جديد لها؟ " رحالة" صيغة تحمل المبالغة في الترحال، وعلاقة وثيقة تربط الزمان بالمكان، فلا يكون الترحال إلا بالانتقال من حيز مكاني و زماني إلى فضاء مكاني و زماني آخر. هذا السعي نحو الحركة المستمرة هو ما تجد فيه الكاتبة معنى البحث عن الذات و التعرف عليها، وكيف لنا أن نفهم حقيقة ذواتنا دون فهم تشريحها؟ السفر في الجسد البشري برحلة تشريحه و تحنيطه و عرضه في ( خزائن العجائب) يأخذ مساحة لا بأس بها في حيز روايتها. ماذا عن السفر عبر الخيال؟ اختلاق العالم بحكايات و تمثلات تعكس ما نتمناه لا ما هو واقع؟ كحال صديقة الكاتبة المرشدة السياحية التي تختلق من رأسها قصصاً عن البلاد العربية التي تجهل تاريخها لسياحها، و تتقاطع كالعادة مع الصورة النمطية الساذجة عند الكاتبة و الغرب عموماً، قصص الأمير والحريم والجواري والغلمان والصحراء! ولم تكلف الكاتبة نفسها أن تتعرف عن كثب أكثر من ثقافتنا، هل يفيدك أن ترتحل حقاً إلى كل اصقاع العالم إن كانت تلك ( النظرة العنصرية) ، و عدم احترام( النسبية الثقافية) هما النظارة التي ترى من خلالهما العالم؟ كل ما هناك أنك تعاميت عما هو موجود لصالح ما اقنعت نفسك بوجوده، الارتحال ليس هروباً من الذات و العالم، بل رغبة في التعرف عليه.. تبث أولغا رسالتها: اكتبوا.. واقول لها قد عدت إلى بعض تدويناتي في رحلاتي و ابتسمت، وانا أتذكر نصيحة كاتب لي: انشري! وانا عندي ذاك التصور المثالي الذي يعيق ولادة أي نص! هناك الكثير مما يقال، ولكن أترك لنفسي العنان بتسجيل افكاري في المناقشة الصوتية مساء هذا اليوم مع نادي الكتاب..