Jump to ratings and reviews
Rate this book

سمحة

Rate this book
"الأمطار زادت غزارتها وكأن السماء أمست قربة ماء هائلة شقت طولاً بخنجر حاد، الرياح ترقص رقصة الجنون دونما توقف، وأصواتها عويل عجائز إثر جائحة عظيمة، سمحة في طريقها إلى حتفها المحتوم حيث تبدى لي الجبل موتاً عملاقاً باسطاً ذراعيه يستعد لاحتضانهم.

فلك عظيم يجري في أمواج أعظم، المرة الأولى التي أشاهد فيها سمحة، تبحر من بعيد ولست فيها، رأيتها هائلة الحجم، فخمة البناء، متماسكة البنيان، كأني أشاهدها للمرة الأولى، تبحر بتصميم إلى هدف مكتوب، تخترق أمواجاً وتركب أخرى، مليئة بالبشر وتكافح من أجل الحياة وسط بحر لجي مظلم"

119 pages, Paperback

First published January 1, 2020

42 people want to read

About the author

خالد المخيني

2 books6 followers

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
11 (55%)
4 stars
7 (35%)
3 stars
1 (5%)
2 stars
1 (5%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 - 4 of 4 reviews
Profile Image for عهود المخيني.
Author 6 books147 followers
August 30, 2020
يقول البَعض ويصدق على قولهم آخرون غيرهم: «لا قيمة للاسم» أو بطريقةٍ أخرى «لا دلالة للاسم غير الإشارة»، ولكن لا يسري هذا على كل شأنٍ، وهل يسري على شيء ما حقًّا؟ سَمْحَة مثلًا، ماذا أبقَت لأهلها؟ وماذا ألقت عنهم وهي تمخر عباب المحيط الهنديِّ، هل استحلَّت لنفسها السَّمَاحة وانزوَت تاركةً ناسها؛ بعضهم لقوا حتفهم وغيرهم نسوا معناها، هل نسوا؟

لو أردنا أن نَصِفَ الرواية ونُصَنِّفها، فلا شيء يُنصِف وصفها كالبَحر. منه صار لاسمها معنًى وإليه انتهَت. هي سَفينةٌ تميَّزَت بطاقمها الأفضل والأجدر في تاريخ الأسطول الصُّوْري العُمَاني التقليدي[1]. في عام 1958[2] خرجَتْ سَمْحَة من ميناء صُوْر قاصدةً البصرة في العراق وبعد ذلك توجَّهت نحو موانئ الهند، وفي إبحارها التالي إلى الشرق الإفريقي لاقَت ما لاقَت من الويلات، هاجَ البحر وارتفعَ مهدِّدًا ثباتها، ولكنها وصلت ورَسَتْ. في طريقِ عودتها، لم يكن حال البحر بأفضل من المرة الأخيرة التي كان عليها. كان أنشَط، ولا يهدِّد سَمْحَة وأخواتها شيءٌ كأزْرِ البحر وهيجانه المفاجئ، تخشى أن تظهر له يدان يضرب بهما خشبَهَا فيبتلُّ ويخرسُ للأبد. وخَرِسَت سَمْحَة وخَرِسَ[3] معها راكبوها.

ما الذي لَمْ تَقلْهُ سَمْحَة؟ أتت أحداثُ الرواية مُؤرَّخَة بالأيام، بدءًا من حادي عشر رجب، في السنة الهجرية 1378، وحتى العاشر من ذي الحجة. وساردُها ناجٍ من الحادثة التي أودَت بسَمْحَة وهو عقيل بن عبد الله المعلم. كل صوريٌّ مفتونٌ بخور البَطح، وكيف لا تُفْتَنُ به كبدٌ يجري في وريدها دمٌ؟ هنا يبدأ المعلم، مُشرعًا النظر إلى محاسن صُوْر وخورها الشَّرْح[4]. يستحلُّ تقريعَ نفسه لتفويته جمال المكان وسحره بانشغالهِ بالعلم والدراسة والانزواء ناحية الصفوف. ولكنه الآن أمام رحلةٍ لا يعرفُ عنها شيئًا غير ما يشيع؛ تجربة جديدة يُقبِلُ إليها بروحٍ ملأى بالحياة. يشهد لحظات الفراق من أولها، عند عتبة الأبواب وهذا العُرْفُ؛ ألا تُرافِق زوجات النواخذة أزواجهن إلى الشَّاطئ. كأنهم بهذه يكسرون شدة الالتيَاع ولكنهم بطريقةٍ ما يزيدونه حتى يكون الصبر أقوى. فلسفة الوداعِ هنا مريرة. تُودِّع أحبابك قبيل المغرب، حتى تخالط الدموعُ الليْلَ السديمَ بأهله ليصير سديمًا[5] آخر دمعهم، يراهُ في السماءِ من رحلوا عن الديار سلامًا من بعيد. ولكن يُذكِّرنا المعلم بأمر مهمٍّ ينطبعُ على أرواحِ معظم الصوريين وهم يمخرون عباب البحر، وهم يركبون الفلك، وهم وسط البحر. يقول: «كأنِّي وُلِدتُ على ظهر سَمْحَة … »[6]. فَرغم أنها المرة الأولى له في تجربة السفر بحرًا، لم يَشعر بالغربة أو انعدامِ الألفَةِ. هذا أمرٌ تحنَّكَ به أكثرنا؛ الإقبال والإقدام والتجاوز والتماهي وإن كانت الدراية بالأمر الذي سيُجابَهُ لاحقًا نزرةً. يلاحظ المعلم كل شيء في رحلته ويحرِصُ ألا يفقد خطَّ الدهشةِ الذي يخبر به تفاصيل سَمْحَة وهي تُبحِرُ. يقول فخورًا: «في صُوْر، السفن عرائس يُعْتَنَى بها فلا تَشيخ، لا عجب في ذلك، أفضل صنَّاع السُّفن في عُمَان عندنا، ومسقط بعيدة لا يستطيعون صيانتها كما يفعل أصحاب السفن الصورية»[7]. لا يقول هذا من رأى الخشبَ فقط وأعجَبَهُ، ولكن من رأى وأطالَ النظر وأمعَنَ وسار بعيدًا، في الصنعة ودقتها وتماهي النوخذة معها، وعلاقته بها وهو يقودها بعد أنْ ركَّب أجزاءها بدقةٍ ودراسةٍ بانيها المُتقِن. وهو الذي يقول مصدقًا على هذا بعد أسطرٍ: «تعرف الأيادي الصوريَّة كيف تخلقُ البريقَ من الشُّحوب».

يشهد سردُ الرواية على افتتان الصُوْري بأرضه وتتبعِهِ محاسنها ورغبتهِ في أن يصدحَ بها وينقل هذه المشاعر للآخر. من الآخر؟ من لَمْ يخبر جمال المدينة وبحرها، وخورها. يشعرُ الصُوْريُّ حقًّا أن على الجميع الإحساس بالجمال الذي يحسُّ به.

تمضي الرواية ساردةً تفاصيل الإنسان في صُوْر. الحريَّة ليست أمرًا فائقًا كجمال صُوْر. في هذه الحسناء عبيدٌ فقدوا حريتهم وملكها آخرون يُزعَمُ أنهم الصفوة. لا تخفى على أحدٍ الربكة التي تنتاب البعض بمجرد الشعور أن أحدهم يُنتَهَكُ للونه وعلى مرآه، وهذا ما أحسَّ به المعلم حين اعتزمَ أحد العبيد الذهاب إلى البالوز[8]، لم يكن يعرف ما هو، ولكن لم يكن بالأمر الصعب عليه أن يستشِفَّ ما البالوز. تؤكِّد سَمْحَة على صعوبة أن تكون حرًّا في صور ولونك غير لون الصفوة، وما هو لونهم حقًّا؟

هذا شأن، ولكن ما لونُ الحياة دون حريَّة؟ هل يعرفه الصفوة؟ لا يعرفون غير أن لهم الحقَّ في التعالي وفوقيتهم ممنوحة، وقد نكَّل هذا بحياة كثيرين لا يعبؤون الأخيار بها من جهتهم. على أيةِ حالٍ هم «لا يملكون مزية سوى بياض سحنتهم وثراء آبائهم»[9]. وهذا حالٌ قديم ما يزال حيًّا اليوم. العنصرية سمة من سمات أهل سَمْحَة التي لم تعرفها هي، حتى حين ألمَّت بها الجائحة وغارت، تخلَّت عن الجميع، البيض والسود ولم تدَّخِر أحدًا. ولكن المسألة الأهم التي ألمَحَت إليها سَمْحَة، هل تكفل تلك الورقة الحرية لمن مَلَكها حقًّا؟ لن تخلو نظرات الآخرين من التشفِّي والتحقير. الأنكَى في هذا والأعقدُ ما يلقاه العبدُ من عبدٍ مثله مُنِحَ صكَّ حريته[10]. يلهون عن الإنسان ويشغلهم اللون حتى يموت المرء بينهم كمدًا إن لم يقوَ على الازدِرادِ[11].

مصطبغةٌ سَمْحَة بجمالٍ أدبيٍّ غائرٍ ثيمته البَحْرُ. يقول المعلِّم: «كلانا يجذِّف بحره، هم يجذِّفون البحر وأنا أجذِّف ذاكرتي»[12]. الإنسان هذا تَعِبٌ من بني جلدتِهِ، يُقابل السَّمِحُ هذا سَمْحَةَ أعلى البحر ويقول «هل يعرفون أن التجربةَ تصنع ما لا تصنعه العلوم والمعارف؟» مواساةً لنفسه على الأكثر.

سَمْحَة أيضًا تأكيدٌ على أنَّ الإنسان هذا متعب من نفسهِ التي لا تكتفي؛ «فالنَّفسُ التوَّاقة مُضنية لصاحبها»[13]. يودُّ أن يغيِّرَ هذا الفتى من حال المحيطين به ولكنه يُدرِكُ في الوقتِ نفسه معنى أن تنشَأَ مطبوعًا بإيديولوجيا فوقية، ترى نفسها الأفضل دومًا، وتجعل الآخرين دونًا. يعِي معنى أن تُولَدَ في وسطٍ يعامل النَّاسُ فيه لمعايير غير مقبولة وهي اللون ومعدل الثراء والقبيلة. يتساءل مع نفسِهِ، ما الذي يحدو بسكَّانِ أهل الأرضِ هاتهِ لتسطيح الأشياء؟ حتى تملؤهم المادة التي لا ترى غير السطح؟ ما قيمة الإنسان في أعينهم التي ترى ما تريد فحسب وتغض الطرف عمَّا يحقِّقُ لها وجودها الهشَّ؟ من أعطاهم هذا الحقَّ؟ في تهميشِ الإنسان وتصنيفه في درجات مهينة لكيانه الأجل؟ وكيفَ لسَمْحَة الجمَيلة بمعناها الأنبل أن تنتفي منهم لتَصير مجرد «خِشِبِةْ(هـ)»[14] تمخر البحر وتحملهم رغم ثقلهم بالمعنيين؟ أليسَ لاسمِ سَمْحَة حقٌّ في أهلها؟ أم آمَنُوا كما آمَنَ آخَرون مثلهم أن لا دلالة للاسم؟

العاشر من محرم 1442هـ

الغُبْرة

[1] سَمْحَة، خالد المخيني، ص. 119.

[2] المصدر السابق نفسه.

[3] أشيرُ هنا إلى الخرس بمعنيين؛ الأول هو انعدام الصوت وانعقاد اللسان والعجر قبل ذلك، والمعنى الآخر هو المستخدم محليًّا في اللهجة وهو ما يصير إليه حال الشيء بعد أن يبتَلَّ بالماء وسَمْحَة خرست هكذا.

[4] وأشيرُ هنا أيضًا إلى معنى الشَّرْح في الاستخدام المحلي؛ المنبسط والممتد المريح لاتِّساعه، ولكن الكلمة تأتي بمعنى مقارب في الاستخدام الفَصيح، يقول تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}، أي يحبِّب إليه ذلك، وهذا المُتوخَّى من الاستخدام في هذا السياق.

[5] السديم اللاحقة هي النجوم التي تتجمع وتكون خفيفة في السماء، بفعل غازات شديدة الحرارة، والرابط هنا دفء الدموع وحرارتها التي تصير نجمًا للعاطفة التي تحملها، تضيء ليل من تحملهم.

[6] سَمْحَة، خالد المخيني، ص. 16.

[7] سَمْحَة، خالد المخيني، ص. 22.

[8] القنصلية الإنگليزية في مسقط، والتي يتوجَّه إليها من أراد أن يُحرِّرَ نفسه من العبودية، وذلك برفع صارية علم الدولة البريطانية أمام القنصلية، وبعد ذلك يُعطى ورقةً رسميةً تثبت أنه حرٌّ وليس ملكًا لأحد، ولا سلطة عليه غير سلطة الحكومة التي تسري على الجميع (بتصرُّفٍ من سَمحة، خالد المخيني، ص. 30).

[9] سَمْحَة، خالد المخيني، ص. 55.

[10] سَمْحَة، خالد المخيني، ص. 30.

[11] مرةً أخرى، أستخدم اللفظة هنا بمعنيين؛ الازدراد وهو الاحتقار والازدراد فعلًا، هو في المحكي وضع اليدين حول الرقبة لخنقِ أحدهم. وما يلقاه العبد يشمل المعنيين، الأولى مهانةً والثانية خنقًا معنويًّا يقتل روح المرء.

[12] سَمْحَة، خالد المخيني، ص. 34.

[13] سَمْحَة، خالد المخيني، ص. 40.

[14] تركتها هكذا بالنطق المحلِّي للكلمة. وحين يقول قائل «خِشِبِة(ه)» فهو يشير إلى المراكب والسفن بأنواعها كلها والتي صُنعت من الخَشَب.
Profile Image for Rania Al hasany.
34 reviews2 followers
July 18, 2021
سَمْحَة

رواية خُطت بقلم الروائي العماني خالد المخيني، يحمل خلالها القارىء على متن قلمه في بحر حبره ليحكي قصة سفينة عمانية صورية تُبحر في ختام خمسينيات القرن الماضي، فيصف خط سير الرحلة وعادات البحر و تقاليد بحارته، و أبطال الرواية الذين يدونهم (عقيل بن عبدالله المعلم) على روزنامة ذكرياته، عقيل بطل الرواية والحاكي، ذلك الشاب المثقف المتمدن الذي يخوض أولى رحلاته البحرية على ظهر سمحة، و الذي لا أدري لماذا شعرت أنه يحمل مضامين شخصية الراوي الحقيقية!
يأخذك أسلوب كاتبها برقة بين يدي أسطرها، كأنما مشاعرك مركب من ورق يخشى عليه الغرق!
أسلوب الكاتب كان ميزة الرواية و علامتها الفارقة! سهل ومحبب، يأخذك رويدا رويدا كأنك تسير مع سمحة على صفحة الماء الناعمة الساكنة فتزور معه الموانىء و تلوح برفقته عند مغادرتها بابتسامة، هكذا حتى تتملكك سكينة الأحداث ثم شيئا فشيئا تتلبد غيومها فتملك زمام شعورك لتدخل معها في خضم الإعصار، لا تملك خلال هذه المرحلة إلا التشبث بالسطر تلو الآخر علك تلوي على طوق نهاية ترفق بأنفاسك المتتابعة.
لم يكن الأسلوب متفلتا أو لينا؛ لكنه في ذات الوقت لا يضرب الوجدان بعنف، حتى في تفاصيل الفجائع يترفق بك؛ لكنه أيضا يقبض تماما على شعورك الذي لا يجد مناصا من أن يفيض في خاتمتها.
سمحة من الروايات العربية الخالصة التي تحمل نكهة الأدب العربي وسماته، سواء من ناحية أحداثها أو من ناحية أسلوب القلم الأدبي الراقي الذي خطها.
سمحة لم تخدش شيئا فيَّ كقارئة، و لم تذهب دون أن تترك أثرا أدبيا مميزا فيَّ كربة قلم.

رانيا عبدالله
Profile Image for Said Algheilani.
40 reviews9 followers
September 9, 2020
‏أنهيت رواية ⁧‫#سمحة‬⁩ وهي تحكي قصة سفينة تجارية صورية شهيرة أغرقتها سنة ١٩٥٩ ⁧‫#ضربة_الإكليل‬⁩ وهو الأسم المحلي لعاصفة موسمية مُعتادة تضرب البحر وتصادفت مع مرور ⁧‫#سمحة‬⁩ التي ساقتها المشيئة لتُنهي إرثها التاريخي بفاجعة لايزال صداها يتردد في المدينة جيل بعد جيل.

أعتمد الكاتب في سرده على ⁧‫#روزنامة‬⁩ عقيل المعلم. وهي تقويم تاريخي يُسجل فيه أهل البحر يومياتهم ويكتبون أهم الأحداث التي تصادفهم في يومهم. فكانت هذه الروزنامة شاهدة على هذه الفاجعة. وقد أجاد الكاتب في تحويلها لمشهد درامي تراجيدي يصور فداحة الأمر ورُعب السويعات الأخيرة في حياة ⁧‫#سمحة‬⁩.


الرواية كانت بالنسبة لي أفضل تجسيد للإرث البحري في الولاية. اختصرت المهارة البحرية الفذة، والشخصية القيادية لنواخذة صور، وكرمهم وعطاءهم المنقطع النظير، الذي مكنهم من جعل الولاية عروس عُمان، ومركز التجارة والثراء، وكانت فاجعة ⁧‫#سمحة‬⁩ الثمن الذي يدفعه أهلها مقايضة البحر والريح.
Profile Image for مُبارك.
76 reviews13 followers
Read
December 22, 2024
سمحة التي لم تعد بعد..

أجدني أتساءل بعد أكثر من 60 عامًا حول اختفاء حطام سمحة في عمق البحر. الذي يقرأ رواية "سمحة روزنامة عقيل بن عبدالله المعلم" ومن له معرفة بتاريخ صور البحري يعلم بأنه لا أثر تم إيجاده للغنجة التي قام البحر بخيانتها في ليلة الثامن عشرمن ذي القعدة عام 1387ه/1959م وأرداها طريحة فراش الغرق والموت، هي ومن كان في حضنها من بحّارة ومسافرين وصل عددهم لـ141 شخص اختفوا كلهم في غيابات البحر.

رواية "سمحة" لخالد المخيني جاءت متأخرة قليلًا رغم فكرتها البديعة التي تجلَّت كمذكرات لمدرسٍ في ولاية صور يجترهُ حلمه في الإبحار إلى شرق أفريقيا. كان يتهادى على شاطئ خور البطح، واختارته الغنجة "سمحة" الفاتنة وهي على وشك خوض الإبحار السنوي إلى معاقل التجارة والوصل إلى زنجبار خاصةً. في رحلتها الواقعية هذه جائتنا مذكرات عقيل تأريخًا روائيًا لمراحل مختلفة من هذه الرحلة التي لم يسنح لها الانتهاء إلا بالموتمع. أقول متأخرة لأني أعرف الكمّ الهائل من الأحداث التي حدثت للماضي لم يُعمل بها ولم توضع في قالب أدبي بعد.

كعقيل تمامًا حين كان يتجول في خور البطح ويهاجس هواجسه، كنتُ أنا أتربع على جدرانٍ ٍأربعة لم ينادني البحر وقتها للقاءه بعد في "مصفيّه". كان قريب جدًا هذا الخور، لعلي وطأت ذات الخطوات التي لامستها أقدام عقيل قبل صدمته ورجوعه وحيدًا بدون سمحة ليروي لنا حكايتة نزالها مع العاصفة. "أصبحتُ بحرًا في البحر الذي هجرت، وأنا حبيس الصفوفِ الضيقة، شتانَ بين النظر للبحارة والاستماع لأهازيجهم، وأصوات غناءٍ خافت عصيٍّ على نافذة غرفتي، غرفة لا أعرف إن كنت أسكنها أم تسكنني". وكما أنست الكتب عقيل الكثير من التفاصيل، كانت سمحة تتجلى بتفاصيل خشبها الساج الذي دغدغته الأيادي الصورية والمطلي بزيت السمك الفواح.

تُرى كيف كان خور البطح حينها؟ حين كان يجول المدرس عقيل إبن عبدالله المعلم في شاطئه لينتقي السفينة التي ستحقق له حلمه، هل كان أكثر سحرًا منه الآن؟ ثم ماذا عن البحر، هل للبحر نَفَس وأمزجة يتلون بها ويكون الآن بحر آخر؟ أمزجة تغيِّر موجه وأشباحه لتناسب عصر النتانة هذا..

تخلل الرواية أمور كثيرة مثيرة جدًا للاهتمام. منها القالب الروائي بطبيعة الحال المستلّ من وائع حقيقية ممزوجة بخيال الرواة الجامح، إنما ما يأسر هي صور وأعرافها وأساطيرها. مثلًا اقتضت عادة الإبحار في ذلك الزمن أن لا تودع الزوجات أزواجهن عند الشاطئ، بل على عتبات المنازل.. "حدود على اليابسة لأن البحر سيطفئها". علاوة على ذلك الارتباط العميق والمبرر الذي يجمع البحر وأهله بالغناء والأهزيج التي لاتنتهي، غناء متواصل بتواصل الموجات التي تحملهم، كانهم بها يهدهدون البحر ليكون رحيمًا بهم.

"يا ليتني ما سن بي لوح الخشب
قاعد فداري أرعي الحنظل وأشربه
وداعي الخلائق كلهم حالي محب
لو كان عندي فالسواحل شانبه
أول بعدهم قالوا لقريب أقرب
يوم القدم يشلني وأثور به
ويوم انكسر قدمي وقدر عليه الرب
قالوا برايه حافظ غيبة تغيبه
حافظ تغانى ومن تغانى ما حسب
يتم عياله وخلى داره ومذهبه"
Displaying 1 - 4 of 4 reviews

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.