مناطات النّهي في المعاملات الماليّة دراسة فقهيّة تأصيليّة تطبيقيّة بين فقه المالكيّة وفقه ابن تيميّة
أهمية الموضوع: اشتهر فقه البيوع بصعوبته عند طلاب العلم، مع احتياج عامة المكلفين لأحكامه. والبحث محاولة جادة لمواجهة هذه الصعوبة، وتفكيك أسبابها، وإعادة فقه البيوع إلى يسر الشريعة وبيانها ووضوحها وإقناعها، حتى يغدو فهم الحلال والحرام في البيوع شيئا ميسورا، ويكون من فقه العامة لا الخاصة. أهدافه: تخليص مسائل الفقه عما ألحق به من من مسائل القضاء والإفتاء، ومن مسائل الأعراف والعادات، ومن تفاصيل التصورات غير اللازمة. ثم إعادة بناء هذا الفقه: على مناطات محدودة ومعقولة، ليكون بذلك: 1- أيسر على المتفقه. 2- وأنفع للفقيه. 3- وأعمق للاجتهاد.
[أصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره] -ابن تيمية
مدخل: أشرت في مراجعة سابقة* إلى احتفائي بإنتاج المؤلف وذلك لجودة بحثه وحسن عرضه، وما أن علمت أن مولانا أبا المنذر قد سجل رسالته للدكتوراة حول موضوع المعاملات حتى بدأت أتتبع أخبار رسالته عبر البحث عن عنوانها أو سؤال المقربين منه إن كان قد فرغ منها، وطال الانتظار حتى يئست ونسيت موضوعها.. وفي رمضان وقعت عرضا على خبر انتهاء مناقشة رسالة القرشي فكتبت منشورا يائسا إن كان من الممكن أن يزودني أهل جامعته بنسخة منها لأني لا أطيق صبرا على مرور عام أو أكثر إلى حين نشر الرسالة :)، وبالفعل تكرم علي أحد المشايخ الفضلاء وبعث لي الرسالة في نفس اليوم! .. فجزاه الله عني خيرا ، وعليه فهذه المراجعة مبنية على أصل الرسالة التي قدمها المؤلف وليست على الكتاب الذي قد يضاف له ويحذف منه.
أما بعد: فكرة الرسالة -وهي امتداد وتوسيع وتطبيق لفكرة كان قد أشار لها المؤلف في كتابه التفكير الفقهي في المعاملات المعاصرة - أن باب المعاملات في الدرس الفقهي تعتريه صعوبة وتعقيد لا داعي لها؛ إذ أن طبيعة باب المعاملات (الأصل فيه الإباحة + حاجة الناس الدائمة لهذا الباب + أنه معقول المعنى ومعلل وليس من قبيل التعبدات التي لا يعلم عللها على وجه التفصيل والأصل فيها التسليم والتوقف) تقتضي سهولة ووضوحا لدى عامة الناس قبل الفقهاء وطلبة العلم، ويرجع المؤلف سبب هذا التعقيد إلى إشكالين؛ أهمها أنه بني على المسائل الفرعية والمعاملات الجزئية (السلم - البيع - الإجارة - الجعالة ...الخ) يتم تناول كل معاملة بشكل منفصل بذكر شروطها وضوابطها، وبهذا تنتشر الفروع والمسائل ويصعب علينا تصورها وضبطها، وهو يقترح أن يعاد بناء باب المعاملات الفقهية بناء على مناطات النهي والعلل الجامعة لهذا الباب وهي:
١- الظلم ٢-الضرر >> وهذان معنيان رئيسيان من الممكن إرجاع كل المناطات الواردة أدناه إليهما، فهما مناطان عامان على مستوى المقاصد العليا و باقي المناطات على مستوى القواعد والضوابط العائدة إليهما. ٣-الربا ٤- الميسر والغرر ٥-عدم الرضا ٦-إضاعة المال ٧-مخالفة التزكية والأخلاق ٨-منهيات لأمور خارجة عن العقد
وتُضَمن تحت هذه المناطات الفروع والمسائل الفقهية ويعاد ترتيب باب البيوع حسب هذا التصنيف، وبهذا نيسر على الناس فهم الأحكام الفقهية ونعين الفقيه على وضوح الرؤية وعمق الاجتهاد.
ثم حاول المؤلف تطبيق هذه الفكرة على فقه ابن تيمية والمذهب المالكي، وهي لفتة ذكية إذ أن الشيخ تقي الدين يردد في مواضع مختلفة فضل المذهب المالكي في باب المعاملات على غيره، فكان من المفيد عقد مقارنة في باب المعاملات (بعد ترتيبه وفق مناطات النهي والعلل) بين نتاج ابن تيمية من جهة و نتاج المذهب المالكي من جهة أخرى، وبعد عرض الآراء ومواطن اتفاق واختلاف كل منهما يعقد المؤلف محاكمة لطيفة خفيفة في مواضع اختلاف الطرفين مبينا أيهما: أوضح بيانا وأكثر اطرادا، وأقوى حجة، وأيسر مسلكا. فمرة يميل الميزان لصالح الشيخ تقي الدين وأخرى للمذهب المالكي.
أختم بالإشادة بهذا النتاج وأحث المؤلف أن ينشر شرحا لباب المعاملات يلتزم فيه بهذه النظرة المراعية للمناطات كمعاقد يقوم عليها باب المعاملات، ولكن دون التقيد بمدارس معينة يعرض من خلالها هذا الباب فيكون الدرس ساعتها عابرا للمذاهب والأقوال وأقرب للاطراد مع فكرة مراعاة المناط من عدمه. وأشير إلى كتاب العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة الذي تعرض مؤلفه لنفس فكرة ربط أبواب المعاملات بالعلل والمقاصد ولعل فيه إثراء وتتميم للقارئ الكريم.