في روايتها «أنثى العابد» تعيد الروائية اليمنية شذا الخطيب إحياء زمن الرقص الجميل بنفس مبدع يكون فيه "الرقص سيرة حياة" تحكي قصة عاشقين، "عابد" يبحث عن الرغبة، و"راقصة" تبحث عن الحب، التقيا ثم افترقا، ليكتشفا معاً ومهما طال الفراق، أن الحب هو الحقيقة الوحيدة التي لا حياة من دونها.
«أنثى العابد» قصة حب تنوعت فيها مفاهيم العشق والرقص والحياة نسجت الروائية شذا الخطيب خيوطها من وِرد الحُب وغواية التصوّف؛ لتقول لقارئها وعلى طبيعتها الأنثوية ما لا تستطيع الحياة قوله، ولا البشر الإفصاح عنه حتى في أنفسهم وحتى تكتمل معالم المشهد الروائي من حيث المكان والزمان والشخصيات، اتخذت الروائية من مصر والمغرب ولندن مكاناً للأحداث، وقد شكلت فيه "بلدة السكون" في ريف مصر والبعيدة عن مجرى النيل فضاءً روائياً لروي الحكاية التي جمعت بين الشخصيتين الرئيسيتين في العمل وهما "سمارة" و"العابد". هناك في "بلدة السكون" أثمر حبهما عن "غالية" التي تجري وقائع الحكاية على لسانها وهي الفتاة التي اكتشفت وهي في الثالثة عشرة من عمرها أن والدها غير الذي تربت في كنفه، حصل هذا بعد وفاة والدتها في حادث سير وقد جاء والدها "العابد" ليأخذها معه. ومن هنا تبدأ الفتاة بالبحث عن ماضي والدتها فاتجهت إلى "بلدة السكون" حيث نُّزُل "بيت الخالدي" أو "بيت الذكريات" تساعدها مذكرات تركها والدها لها بعد وفاته في معرفة كيف التقت والدتها بوالدها، كيف اجتمع عابدٌ براقصة ثم هجرها إلى التصوف متخذاً لحياته مسلكاً آخر؟
من أجواء الرواية نقرأ:
" تركني فجأة، بل ترك الجامعة، وانتقل إلى أخرى، وقطع أية صلة بنا بعدما قُتل صديقه بحادث سير وقد كان معه في سيارته، كانت علاقتنا قوية جداً؛ كنتُ أخرج معه في سهرات طلابية ورحلات ونواد والكل يتحدث عن علاقتنا وقوتها، لكن بعد الحادث أصابته حالة صدمة وكأن الحادث جعله يعيد حساباته من جديد بكل تصرفاته، وكنتُ من أعاد حسابه معها. قطع أية صلة بيني وبينه. صبرت على فراقه على أمل أن يعود. تتعجب كيف لاثنين يظلان يحبان بعضهما بعضاً منذ زمن طويل حتى الكبر رغم البعد! إن الذي جمع بيننا ليس هيناً. لا تزال أنفاسه تغمرني. بكت!
لم يشأ أن يسمع المزيد ولم ترغب في الإفصاح أكثر، فهمَ طبيعة العلاقة التي جمعت العابد بأنثاه. وكيف أنه لم ينسها لحظة وكيف هي لم تنسه. تركها تنام قليلاً لبدء مفعول الأدوية عليها، رددتْ أغنية (يا مسهرني) "ما خطرتش على بالك يوم تسأل عني، وعنيا مجافيها النوم.. النوم يا مسهرني".
شذا الخطيب روائية يمنية متخصصة بالتوجيه والارشاد التربوي من جامعة البتراء الاردنية تفرغت للكتابة عام 2009 كهاوية ثم احترفتها عند اصدراها في عام 2012 اول عمل روائي. لها ظهور اعلامي في العديد من اللقاء التلفزيونية والصحفية والاذاعية . وخاصة مع تزامن معرض الكتاب في جدة . تنوعت اصدارتها من الرواية والمجموعة القصصية و القصة الطويلة . تكتب المقالات النقدية ونشترت العديد من اعمالها الادبية والنقدية في المجلات زهرة الخليج موقع مباسة الالكتروني الثقافي ومجلة معارج الفكر الادبية الالكترونية أعمالها الروائية والقصصية الزنبقة السوداء اوراق رابعة ابنة الريح بيت البنفسج للكبار فقط سنوات الوله أنثى العابد
" توضأت وارتدت عباءتها. ابتسمت بينها وبين نفسها وهي تقارن عباءة الرقص بعباءة المسجد، إن كلا منهما تفي بالغرض، كل منهما يمكن الرقص بها والصلاة، كل منهما يمكن التحجب بها والإغواء. كيف يكون هناك فرق بين الصلاة والرقص، وكل منهما وسيلة للتقرب للذات بطريقة ما؟! "
بإمكاني اتخاذ هذا المقطع من"رواية أنثى العابد" الرقص سيرة حياة ل شذا الخطيب، مدخلا _ وأنا القارئ الذي لاصبر له على الاشتغال _ لأحدثكم عما اقترفته الرواية بي ومعي، ابتداء من الموضوع قيد التناول، كيف تمكنت الكاتبة من جرأتها وهي تكسر بنعومة صوتها فضلا عن نعومة حرفها وأناملها، تابوهات المزاوجة بين الرقص والعبادة! الصوفية والغواية، الاشتهاء بين الأنانية ومسؤولية الواقع المحتوم! لن أكشف الرداء عن جسد الراقصة "سمارة تيمور" وهي ممددة على سربر الرغبة تحاصرها أنانية الصوفي " إحسان العابد"، أنانية التمنع وأنانية القطرات التي أثمرت في رحمها وحياتها " غالية". هناك اشتغال وصبر في الرواية، منذ عتبة العنوان المذيل بعبارة " الرقص سيرة حياة" حيث نجد أسماء ومعلومات عن الرقص الشرقي وتاريخ ظهوره وتحولاته، كذلك اقتباسات من مقاطع غنائية واقتباسات صوفية، وظفتها الكاتبة بسلاسة ودقة. هناك اشتغال آخر عند مستوى التقنية الروائية، وهو المراوحة مابين روايتين أو قصتين في خط سير متوازي، لم يفلت من نسق الحبكة والتشويق والإثارة ، حتى وصل إلى رصيف الكشف والوضوح ابتداء من صفحة"164" الرسائل المتبادلة، والخاتمة التي ربما فرضت نفسها بتلك الطريقة التي تهبط بأنفاس القارئ إلى مستوى فجائي من الرتابة!
التجريب في أسلوب الكتابة، منح الرواية جمالية جديدة، وهو مغامرة نجحت فيها الكاتبة بالظهور بشكل جديد يضيف إلى سيرتها ومسيرتها السردية، خصوصا أنها وازنت بين ظاهر متعة الحكاية وعمق فلسفة ورؤية المضمون، وزاد من هذه الجمالية حسن اختيار الفضاء المكاني " قرية السكون" التي ضمت خلاصة السفر مابين القاهرة والمغرب وأوربا.
تتحدث الرواية أيضا عن التحولات النفسية والسلوكية، عن الدين والتدين، وتلمح بذكاء لفكرة الخلاص الذي قد يتخذ شكل الزهد، الهروب، او حتى ان تعرض نفسك على دين ما لترى مكانك فيه، كما قال الشيخ لإحسان وخيره بين اتباع منهج عيسى او الطريقة المحمدية، لكنه بالأخير سلك طريقه الخاص وتحمل نتيجة قراره، وجعا وموتا ووصية!
حضرت سيرة "نجوى" بهداياها التي تقدر قيمة الفن، وحضر جسدها المشلول وصلاة رموشها التي تعلمتها من الطبيب "عبادة" بعدما عجز إمام وخطيب القرية عن تعليمها! اما "هناء" وقد رغبت بنفسها زوجة ثانية وسخرت نيتها واقترابها لأجل ذلك، لكنها لم تفلح، ليودع الدكتور زياد زوجته نجوى، وتفلت "سمارة" من ورطة الخطوبة الاضطرارية، وهكذا عاشت "غالية" متنقلة بين حنان زوج أمها "عبادة" وسفريات ومرض وموت والدها "إحسان العابد" لنبقى نحن بين السطور، نرقص ونصلي، والعاقبة للتقوى!
روايه العابد من أجمل الرويات التي قرأتها تميزت الكاتبه بالرقص على الكلمات وابدعت فيه احب اسلوبها السهل الممتنع متعه اكتشاف الكلمات المعاني الاحاسيس من بين السطور اتمنى لها مزيد من الألق الابداع النصي سوف تحلق بسماء الادب كنجمة بارزة