في سنة 1883 جرت في باريس مناظرة بين جمال الدين الأفغاني وارنيست رينان، وفي سنة 1982 غرقت حماة في الدماء. هذا الكتاب تبيان لتواصل حلقات الصراع ، ونوعيى المشاركين فيه، ودور كل منهم، لأن الغافل لا يرى العلاقة بين بداية الصراع فكريا في باريس وانتهائه دمويا في حماة. ومع النهاية الدموية لصراع المئة سنة أصبح الإسلام جريمة عقوبتها الإعدام، وأصبحت دار الإسلام دار حرب على الإسلام. هذ الكتاب تتبع لمراحل الصراع وأدوار أهم المشاركن فيه حتى نهايته الكارثية .
محمد خليفة: كاتب وباحث من ليبيا ، يشتغل بالمحاماة والاستشارات القانونية . مهتم بالفكر وتدور كتاباته بشكل رئيس حول الصراع الفكري بين الحضارة الغربية السائدة وبقايا الحضارة الإسلامية البائدة.
كتاب مئة سنة من الصراع الفكري للكاتب محمد خليفة بن نصر.
يستعرض الكتاب الصراع الفكري الذي بدأ عام 1883 بالمناظرة الشهيرة بين جمال الدين الأفغاني ممثلًا للفكر الإصلاحي الإسلامي وارنست رينان ممثلًا للفِكر الوطني العلماني - والذي يصفه الكاتب بأنّه امتدادُ لليهودية والنصرانية وآخر مراحل تطوّرها وتجلّيها - وانتهى بالصراع الدموي في مجزرة حماة بعد 100 عام، سنة 1982 بين حزب البعث والإخوان المسلمين.
في قسم الكتاب الأول تُستعرض المراحل التاريخية المختلفة مرورًا بالنزالات الفكرية بين:
محمد عبده vs فرح أنطون محمد رشيد رضا vs لويس ماسينيون حسن البنّا vs ميشيل عفلق
وانتهاءً بالصراع في بعده الأخلاقي بين أخلاق الرذيلة (حزب البعث) والأخلاق النبيلة (الإخوان المسلمين) وصراع البنادق والمشانق كما يعبّر عنه الكاتب.
وأوّل ما استَنْكَرَهُ منطِقِي عندما قرأت الفصل الأوّل هو حصر الصراع في مراحله الحديثة في شقّه الإسلامي في جماعة الإخوان المسلمين! ويكأن لم يدعو أحدُ غيرهم للإصلاح وأن النهج الذي اتخذوه هو ما يُمثّل الفضيلة والدعوة الإلهية، بينما في واقع الأمر كان هناك عديد التيّارات الأُخرى التي تدعو وتدّعي نفس الشيء وقد تغاضى الكاتِبُ عنها.
أمّا في شق الكتاب الثاني فـ قد تحدّث بن نصر عن "أصنام الحداثة" وهي (الدولة، الثورة، الوطن، الشعب، الزعيم) وقد اقتبست من هذا الفصل الكثير، ولعل بعض هذه الاقتباسات كفيلة بشرح نوعيّة الأفكار التي يُحاول الكاتب طرحها:
في موضوع الدولة: "الله لا يأذن بسفك دماء الأبرياء ونهب أموالهم لأنهم من {حركة الاتجاه الإسلامي}، لكن الدولة تأذن: الدولة رمز الباطل أو اسم الباطل الذي يأذن بما لم يأذن به الله! وكلما تعددت الآلهة انقلبت حياة المسلم رأسًا على عقب، فيصبح مجرمًا بعد أن كان مسلمًا، ويصبح دمه وعرضه وماله حلالًا بعد أن كان حرامًا، وبدل الأمن يعش في رعب، لأن مقاليد الأمور لم تعد بيد الذين يعبدون الله وحده وإنما بيد الذين يعبدون أهواءهم، ويعدون شهادة أن لا إله إلا الله خروجًا على {النظام العام} - نظام تعدد الآلهة."
في موضوع الثورة: "على غير توحيد الله، لن تتوّحّد الأُمّة"
في موضوع الوطنية: "نتاجًا للثورة الفرنسيّة، وُلِد دينٌ جديد اسمه (الوطنية)! في هذا الدين يلهج الجميع بذكر الوطن، ويموت المواطنون ليس في سبيل الله، بل في سبيل الوطن! الوطن صنم من أصنام المسرح السياسي."
في موضوع الزعيم: "يقول بن نبي في وصف الزعيم: عجبت لرجل ولد ليملأ الكلمات المتقاطعة في صحيفة وضيعة، وملأ الفراغات في العاب الجرائد، كيف أصبح قائدًا لبلد رهنت مستقبلي ومستقبل عائلتي في سبيل مستقبله! كيف تمت صناعة هذا الزعيم-الصنم؟ كيف يتم تحويل شخص بإمكانيات محدودة، من بشر يسعى، إلى صنم يعبد؟"
"مهمة الزعيم/الصنم، هي كما قال الشيخ البشير الإبراهيمي: قيادة الجماهير إلى الضياع والشر. وظيفة الصنم هي خدمة الشر الذي يحقق أهدافه عن بعد ويتلذذ برؤية أبناء المسلمين يمزقون بعضهم بعضًا نيابةً عنه، وباستخدام آخر فكرة من أفكاره: (الحرب على الإرهاب)."
وهذه الأفكار والمصطلحات (القُطبيّة) -إن صحَّ التعبير- لا تصدر إلّا من شخصٍ شجاعٍ لا يهاب معاداة العالم في سبيل نشر أفكاره، والكاتبُ يعي ذلك جيّدًا عندما توقّع في الخاتمة أن ردّة فعل القارئ على الأغلب عند انتهاءه من قراءة الكتاب هو الشُعور بما شعرت به قريش يوم الفتح وهو (الفراغ)!
تفاجأت عندما عَلِمت بأن الكاتب ليبي، وتحمّست أكثر لقراءة كتابيه اللذين قام بإصدارهما بالتزامن بعناوين (الثقب المعرفي) و(أسباب تعثّر الفكرة الإصلاحية في النصف الأول من القرن العشرين).
ختامًا فالكِتاب حديث، تم إصداره في مارس 2020 وباعتقادي لو قامت قائمة لهذه الدولة فلن تسمح بتداوله =D فـ يُنصح بالإطّلاع عليه والتشكيك في المسلّمات.
ثالثة الأثافي ودرة فكر الأستاذ محمد خليفة الإسلامي الإصلاحي... قسمه الكاتب لقطعتين ناقش في الأولى الصراع الفكري بين أمتنا الإسلامية و رموز الفكر الغربي، الصليبي في ثوبه الجديد عبر مئة سنة وهي ليس سردا مفصلا ولكن ركز فيها الأستاذ على أهم رموز التيار الإصلاحي من جمال الأفغاني وصراعه مع ارنست رينان وانتهاء بصراع حسن البنا وميشيل عفلق مرورا بمحمد عبده مع فرح أنطون ثم رشيد رضا وذائع الصيت ماسينيون... أجاد فيها الأستاذ الربط والتحليل وكان في تحليله مفكرا كليا عازفا على المرتكزات وطرائق الصراع..
أما القطعة الثانية فهي درة الكتاب تناول فيها الكاتب شيء من أصنام الحداثة :الدولة ،الثورة،الوطن،الشعب ،الزعيم. وكان في تناوله مدركا للجذور الفلسفية لهذه الأصنام في بيتها الغربي الحداثي، ولعمري كنت دائما كثير الضجر حينما أقرأ لكاتب عربي يتكلم عن الحداثة دون ادراك لجذورها الفلسفية الكفيلة بجعل الناقد للحداثة مميزا للفرق بين الأفكار و الأصنام، وهو ما طبقه الأستاذ بحرفية متميزة. قد تتفق مع الكاتب أو تختلف، ولكن لا يسعك إلا الإعجاب بهذا القلم السيال والفكر المستنير ذي الطبيعة الكلية، شيء من الفهم والمعرفة ستتلمسها بين الصحائف و سيدور في ذهنك كثيرا حقيقة قاطعة : لا جاهلية بدون أصنام ولا أصناما بدون جاهلية.. تحياتي للدكتور وأتمنى أن نرى المزيد من الكتب والمزيد من التفصيل والدسامة علها تكون ركيزة لجيل قادم.