أيّ نهاية لروايةٍ تبحث عن بداية؟ من هنا، كان يجب أن تنطلق هذه الرواية، لكنّ البداية تأجّلت فيها أكثر من مرّة، والنهاية تقدّمت أكثر من مرّة. هي رواية عن امرأة في خريف العمر، حقّقت أغلى أمانيها في الحياة بعد عِشرة زوجيّة طويلة، تكلّلت بالدفء والعائلة والاستقرار. لكنّ الحلم تمزّق فجأة، وأصبح للواقع صدًى مُجزِع، إذ تعرّضت لحادث خطير لم يُمتها، لكنّه رماها فريسةً للعجز. من على فراشها حيث ترقد، تغيّر المشهد، واكتشفت أنّها لا تعرف المحيطين بها، فاجتاحها الخذلان. ثمّ جاءت الضرّة الجميلة الشابّة التي ضاعفت عجزها، لكنّها أيضًا بثّت في روحها نار العزيمة. ففي النهاية، ليست الحياة سوى حرب مواقع...
.. لم أعد في بداية الشباب، ولست عجوزا، الصورة نطقت بهذا لكن نفسي واجهتني باعتراف مضن: "أنت قهرمانة حكايات غابرة!" ثم استدركت تستغربني: "ومتى كنت غير ذلك؟!" هززت كتفي بتجاهل، لا جديد في مصارحتها لي أو مُكاشفتي لها. يخيل لي أحيانا أنني لم أكن طفلةً أو شابةً قط، وإنما ولدت امرأة يافعة عاشت في بطن أمها دورة حياة كاملة، بحُلوها ومُرّها، وخرجت إلى الوجود بمخلّفات امرأة يهمها أن تكون بين موجودين مجبولين على مطر الإدانة والترقب والأمر والنهي، ومدججين بمادة الصمغ والتبن، واللُّبان، والألوان.. ينحتُون لبعضهم بعض تماثيل من قش وطين وشمع.. فآوي إلى زاوية من زوايا رواية، وأنشغل بمراقبة دورات حياتهم وهم يتكاثرون، ويتآكلون في الحبر.. ويُصنَّفون.. بعضهم وُلد تمثالا، وبعضهم يسعى لأن يكون تمثالا، وبعضهم يموت لأجل ألا يكون تمثالا، وبعضهم يحيا من صناعة التّماثيل.
This entire review has been hidden because of spoilers.
نسجت الروائية فضيلة ملحاق روايتها "رميم" من حكايتين بالتوازي، إذا جمعت بنسيج سردي متخم بالوصف بين حكاية أسطورية تتأملها الراوية وتستدعيها الكاتبة باستمرار، وتقف ملهاق في منطقة وسطى بين الحكايتين شاهدة على الأحداث، راوية لها، محركة وفاعلة في تفاصيلها، وكعادتها بنت شخصيات الرواية بعناية فائقة، ابتداءً من اختيار الأسماء وانتهاءً برسم خطوط التطور الدرامي للشخصيات، فنحن أمام حكاية الأم عتيقة زوجة سليمان الذي بدأت حياتها معه من الصفر وساندته إلى غاية أن أصبح رجلا ثريا. هي امرأة في خريف العمر تتعرض لإعاقة جسدية تلزمها الفراش والكرسي المتحرك، ويتجاهلها الزوج وتشعر بالاغتراب عن أقرب المحيطين .بها، زوجها وأبناءها وبناتها
الحكاية تتميز بالسرد المزدوج، بحبكة غرائبية مثيرة، ففصولها ومشاهدها تتغير في كل مرة، وتتغير معها بدايتها ونهايتها، والكاتبة تصنع من خلالها الفارق في التناول حيث تبتعد عن المظلومية النسائية في المجتمع الذكوري بامتياز، فهي لا تنحاز للمرأة ولا تقدمها كنموذج مقدس معصوم من الذلل، ولا كنموذج يستحق التباكي والتعاطف، بل ثارت على هذه الأنماط النسوية المكررة وحطمتها، وقدمت عالمًا من الواقعية السحرية البديعة، بنماذج حقيقية من لحم ودم، في حالات صعود وهبوط، انتصار وانكسار، نماذج لا تملك أمامها إلا أن تصدقها وتتماهى معها وتسابق الحروف والكلمات والسطور عبر الصفحات لتعرف مصائرها، خاصة الراوية مسعودة، وهي الطبيبة النفسانية التي تجد نفسها تواجه واقعين، الواقع المعيش والواقع المتوارث من خلال الأساطير المتوارثة، والتي تشكل الموروث من الذهنيات والأماني، ليكون للرواية مجموعة من الأبطال، فهي لا تعتمد على نموذج البطل المحوري، وتقتحم من خلالها الواجهات الأسرية وطابوهات العلاقات الزوجية، لاسيما من خلال علاقة الطبيبة مسعودة بزوجها نعيم وعلاقة جمال بزوجته، وحكاية العمة زبيدة التي وقفت بقوة وإيجابية تتحدى المجتمع والعالم، تبحث عن سعادتها، رغم تقدم العمر وتجارب الخذلان وقيود المجتمع الذكوري الرافض لزواجها، متمسكة بمقولة جان بول سارتر في مسرحية "أبواب مغلقة": الجحيم هو الآخرون، نظرة الآخرين"
تتبنى الكاتبة مفاهيم واضحة ولا تحاول أن تقحمها على البناء السردي المحكم لروايتها، وإنما تطرحها كخيارات تنمو في جوارها شخصيات الرواية، مثل مفهومها للسعادة عن روايتها "رميم" الصادرة عام 2019 عن دار هاشيت أنطوان –نوفل- ببيروت في مائتي صفحة من القطع المتوسط قالت: "هي رواية جزائرية بنكهة محلية وبعد إنساني عالمي، مستمدة من البيئة الجزائرية، وتعالج العلاقات في المجتمع، علاقات المرأة بالرجل، الأخ بالأخت، الزوج بالزوجة، كما تعالج حالة تستحق الالتفاتة، وهي الإعاقة الجسدية، باعتبار بطلة الرواية الأم عتيقة تعرضت لإعاقة جسدية أربكت حياتها ونهشت عظامها وهشمت حلمها واستقرارها، ودفعت زوجها سليمان لجلب ضُرة أو زوجة ثانية هي شابة جميلة تصغرها بسنوات كثيرة في العمر، ورغم ذلك تظهر الرواية الصورة الحقيقية للمرأة الجزائرية كامرأة مكافحة تحافظ على البيت والمجتمع، وتأخذ زمام الأمور بيدها، فهي ليست امرأة شكاءة ولا بكاءة، بل قوية مقدامة معطاءة عند اللزوم". من مقالة سمير محمود في العمان اليومية