-فى البدء يجب القول أن القارئ يظلم نفسه ويظلم محمد رجب البيومي إذا ظن بقراءة هذا الكتاب يكون قد أحاط بكل سيرته وكأنه أشار لذلك لما قال ظلال وإلا ففى جعبته الكثير قد نثره فى كتب تراجم عصره ككتاب من أعلام العصر، والنهضة الإسلامية وغيرها.
-أجمل ما أنت واجد فى سيرته هذه الرقة التى تفوح من أرجاء الكتاب، لقد عاش شاعرا بقلبه وروحه كما قلمه.. عبير رقته تهب عليك أول ما تهب لحظة حكايته قصة حبه الأول حب جمعته الثقافة والاهتمامات المتشابهة وفرقته يد الفاقة، وقصته مع حبيبته من أجمل قصص الحب العذري وقد زينها بجميل شعره ما زادها رقة وعفة، يقول لما قابلها وقد تزوجت ومعها زوجها وأولادها :
مضت سنوات سار كلٌ لشأنه** وجافي سبيلي في الحياة سبيلها
ولما التقينا كالغريبين رفرفت** طيور حنين غاب عنها هديلها
وقد أصبحت أمُّا، وأصبحت والدا** فقامت سدود واستقرت أصولها
نظرت إليها، وهي تنظر نظرتي** وتكتم أشياء لدي مثيلها
فلله نفسٌ أطرقت في كآبة** إلى الأرض تخشى أن ينم عذولها
وأشهد لو كنا وحيدين لالتقت** أكفٌ أبت أن تستكن ميولها
وماذا على الآداب من أنس لحظة ** تغيب ثوانيها، ويبقى صليلها
أیغدق بركان، وتهوی کواکب** وتنشق أرض أرهقتها حمولها
لئن لاذت الأرواح كرها بصمتها**لقد شب ما بين الضلوع غليلها
هذه الرقة التى وسعت الجميع فجاء رثاؤه المؤثر لزميلته التى ماتت فى غض شبابها عبر شعره فى فصل رثاء زميلة عزيزة جاء فى مقدمته:
ذهاب وليس له من إياب**وموت فى عنفوان الشباب
ونوم وفى ظلمات التراب**وبعدٌ إلى أبد الآبدين
- ومن رقته حكى لنا قصة زميله فى المدرسة مع زميلته الماكرة ومعاناته فى سبيل محبته لها فقابلته بالجحود والاستغلال المقيت.
-أى رقة ونقاء قلب كان يحملها أديبنا.. هذا رجل كان يحيا بقلب شاعر، لم تكن القصائد والكلمات مهنة أو سلوى أو لحظات يتقمص فيها دور الشاعر الرقيق ثم يعود بعدها كأى إنسان لم يعرف رقة الأدب وجماله فينطبع على حياته، بل يرى فى كل موقف ومعاناة فى حياته تعلق الأمر به أو بمن حوله بعين المصاب ويشعر بقلبه ويحس بالآمه ويخلدها فى قصائده.
- ذكر من لهم مكانة خاصة فى قلبه وأكثر تأثيرا عليه : فريد وجدي فى أسلوبه ونظافة قلمه، وعبد الرحمن شكري فى شعره ونثره ونقده العالي المركز
وخليل مطران فى إبداعه الشعري، ورابعهم أحمد محرم الذى دفعه الإتجاه الإسلامي.
-يبدو للقارئ ميله للتصوف جليا ولكنى أراه ميل الشاعر الذى يعجبه الشعر من أي نبعٍ خرج، والشعر الصوفى ملئ بما يسر نفس الأديب من وجدانيات وغزل ومدح وغيرهم ، ويدل على ذلك احتفاؤه الكبير بشعراء الصوفية دون غيرهم كابن الفارض والبوصيري.
-وختم الكتاب بقصيدة عقرب الساعات يحكى مراحل حياته سريعا مناشدا عقرب الساعات التريث، ختمها وختم كتابه بها:
يعذبني سيري الحثيث لغاية** تلوح علی قرب، فأجفل في ذعر
أأصبح في الغبراء لا شيء بعدما** خطوت على الغبراء مستجمع أمري
أيبقى معي حسّي فاصطحب الثرى** وبي ألم المأسور يصرخ في الأسر
أأفقد إحساسي فأغدو کصخرة ** وأرتاح إذ لا حس بنبض في الصخر
أأحجب عن نور الصباح مباعدة** على حاجتي للنور في حندس القبر
لأحسب بين الصحو والنوم حالة** حكي المتنبي أمرها باكي الشعر
تكون كمثل الحلم يدرك ربه**- وإن كان ذا نوم - حقائق ما يجري
فيدري الذي يأتي بصيرة مفكرا**وتحسبه فوق الحشية لا يدري
فرحمه الله وغفر له