(( هو البحر من أي النواحي جئته والبدر من أي الضواحي رأيته رضع ثدي العلم منذ فطم وطلع وجه الصباح ليحاكيه فلطم وقطع الليل والنهار ردائين واتخذ العلم والعمل صاحبين إلى أن أنسى السلف بهداه وأنأى الخلف عن بلوغ مداه على أنه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور ونشأت منه عظماء على المشاهير الشهور فأحيا معالم بيته القديم إذ درس وجنى من فننه الرطيب ما غرس وأصبح في فضله آية إلا أنه آية الحرس عرضت له الكدي فزحزحها وعارضته البحار فضحضها ثم كان أمة وحده وفردا حتى نزل لحده أخمل من القرناء كل عظيم وأخمد من أهل البدع كل حديث وقديم جاء في عصر مأهول بالعلماء مشحون بنجوم السماء تموج في جوانبه بحور خضارم وتطير بين خافقيه نسور قشاعم وتشرق في أنديته بدور دجنة وتبرق في ألويته صدور أسنة إلا أن شمسه طمست تلك النجوم وبحره طم على تلك الغيوم وابتلع غديره المطمئن جداولها واقتلع طوده المرجحن جنادلها ثم عبيت له الكتائب فحطم صفوفها وخطم أنوفها وأخمدت أنفاسهم ريحه وأكمدت شراراتهم مصابيحه ... تقدم ركابا فيهم إماما ... ولولاه لما ركبوا وراءه ... فجمع أشتات المذاهب وشتات الذاهب ونقل عن أئمة الإجماع فمن سواهم مذاهبهم المختلفة واستحضرها ومثل صورهم الذاهبة وأحضرها فلو شعر أبو حنيفة بزمانه وملك أمره لأدنى عصره إليه مقتربا أو مالك لأجرى وراءه أشهبه وكوكبا أو الشافعي لقال ليت هذا كان للأم ولدا وليتني كنت له أبا أو الشيباني ابن حنبل لما لام عذاره إذ غدا منه لفرط العجب أشيبا لا بل داود الظاهري وسنان الباطني لظنا تحقيقه من منتحله أو ابن حزم والشهرستاني لحشر كل منهما ذكره في نحله أو الحاكم النيسابوري والحافظ السلفي لأضافه هذا إلى مستدركه وهذا إلى رحله ترد إليه الفتاوى ولا يردها وتفد عليه فيجيب عنها بأجوبة كأنه كان قاعدا لها يعدها ... أبدا على طرف اللسان جوابه ... فكأنما هي دفعة من صيب ... وكان من أذكى الناس كثير الحفظ قليل النسيان قلما حفظ شيئا فنسية وكان إماما في التفسير وعلوم القرآن عارفا بالفقه واختلاف الفقهاء والأصوليين والنحو وما يتعلق به واللغة والمنطق وعلم الهيئة والجبر والمقابلة وعلم الحساب وعلم أهل الكتابين وعلم أهل البدع وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه وكان حافظة للحديث مميزا بين صحيحه وسقيمه عارفا برجاله متضلعا من ذلك وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة وفتاوى مشبعة في الفروع والأصول والحديث ورد البدع بالكتاب والسنة . ))
ترجمة لشيخ الاسلام شملت أهم الجوانب التي تميزت بها هذه الشخصية من جهاد وتأليفات نفسية ومناظرات عجيبة وقوة في الصدع بالحق..الخ، إلى جانب أهم الطوائف التي انبرى لها بالرد والمناظرة والمقاتلة في حالة الروافض والتتار.
كتاب جيد فيه تقديم للموضوع بعرض الحياة السياسية والفكرية للفترة التي ظهر فيها شيخ الإسلام رحمه الله وتأثير ذلك في الامتحانات والابتلاءات التي تعرض لها الشيخ بسبب خصومه.