يتناول الكتاب حقبة مهمة جداً من تاريخ العالم، شكَّلت بشكل كبير معالم السياسة الخارجية للدول، وحددت أركان النظام العالمي الجديد.
يسرد الكتاب علي مدار كل فصول من فصوله الأحداث المؤثرة خلال عام كامل بداية من عام 1989 حتي عام 1997.
كان سقوط جدار برلين وانهيار السور الحديدي حدثاً فارقاً قلب بالفعل موازيين العالم، فقد أدت الثورة التي حدثت في أوروبا في عامي 89 و 90 إلي انهيار الإتحاد السوفيتي بشكل مفاجئ ودراماتيكي وبسرعة غير متوقعة حتي من أكثر المتشائمين الروس أو المتفائلين الغرب.
انهار الإتحاد السوفيتي وتشظت دوله ما أدي إلي عاصفة هوجاء من المطالبة بالإستقلال، وحق تقرير المصير لكل دوله، وانفراد كل جماعة عرقية بدولة قومية لها، وفُتِح باب الصراعات المسلحة وربما الحروب الأهلية والتطهير العرقي في شرق أوروبا علي مصراعيه!
بانهيار الإتحاد السوفيتي انتهت الحرب الباردة بين الشرق والغرب، والتي استمرت تقريباً نصف قرن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتهت ثنائية القطب والتي شكَّل كلٌ من الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي قطبي المغناطيس الدولي، والذي عمل كل قطب علي جذب كل ما يصل مداه من الدول، انتهت الحرب البارده بما حملته من صراع وصل أحياناً إلي التهديد بالحرب النووية كما في حرب الكوريتين او في أزمة الصواريخ الكوبيه، انتهت الحرب البارده بانهيار أحد قطبي المغناطيس وبقي في العالم قطب أوحد وقوة عظمى واحده!!
وجد الإتحاد الأوروبي الفرصة سانحة ومواتية - بعد سقوط خصمهم اللدود - في التوسع وضم دول جديده إلي كيانه، فاتجهت نحو الشرق وضمت بولندا وسلوفينيا وغيرها، وأقامت شراكات اقتصادية جديدة داخل أوروبا وبالطبع مع الولايات المتحدة الحليف الأساسي.
أثناء تلك الفترة أيضاً بدء يبزغ فجر الصين بوضوح لافت بعد قرابة العقدين من بداية ثورة دينج شياو بينج في السبعينات، وأصبحت الصين قوه ناميه متصاعده بتؤدة وثبات، بعد أن أكَّدت علي ثبات نظامها والمحافظة علي وحدة أراضيها الشاسعة.
وبالطبع بدأت تظهر منطقة جنوب شرق آسيا بنمورها المتزايدة يوماً بعد يوم كمسقبل للصناعة والتجارة والإقتصاد، فما حققته سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا وغيرها من قفزات اقتصادية ومعدلات نمو حقاً تثير الإعجاب والدهشة!
أما عن العملاق الروسي فإنه ما زال يبحث عن هويته في عهد بوريس يلتسن والتي فقدها بعد انهيار الإتحاد السوفيتي، والتي سيجدها قريباً مع فلاديمير بوتين الذي يعتبر أن انهيار الإتحاد السوفيتي وتفرق الروس في دول عديده كأوكرانيا مثلاً أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، ما زالت روسيا رغم معاناتها الإقتصادية تمتلك من المقومات التكنولوجية أو العسكرية ما يجعلها دولة ليست كأي دولة، وما زال الغرب يحذر منها ويتوقع انفجار الأحداث معها من جديد، خصوصاً وأن روسيا تتحفظ بشده علي توسع حلف الناتو بجوارها وتعتبره تهديداً لأمنها القومي، وهو بالطبع ما سيكون لاحقاً وبعد عقدين كاملين سبب تفجر الأحداث فعلاً وغزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022، بعد تشجيع الغرب للأوكران في الإنضمام للإتحاد الأوروبي وللناتو وهو ما رأت روسيا أنه لا يمكن السكوت عنه ولا حتي انتظار وقوعه.
أما في الشرق الأوسط فلا يهتم الكاتب به كثيراً ربما لأنه لم يصنع أحداثاً تقلب موازيين العالم في تلك السنوات، ولا يمتلك دولاً مؤثرة كتلك التي في أوروبا أو آسيا، وربما يكون أكثر المحيطين بهم تأثيراً هم الأتراك والفُرس، ورغم أنه قد وقعت أحداث في الشرق الأوسط تحدث عنها الكاتب الفرنسي إلا أنه لا يتحدث إلا عن الجزائر ولبنان بحكم احتلال فرنسا لهم لعقود طويله، وعن إسرائيل والسلام مع الفلسطينين.
إلا أن أبرز حدث في الشرق الأوسط أثَّر في الغالم في تلك الفتره، هو حرب الخليج الثانية واجتاح العراق للكويت، وإعلانه الكويت المحافظة ال19 في العراق، هاج العالم الذي حمسته وأثارته الولايات المتحدة، التي حشدت حلف عالمي هائل بقوات بمئات الآلاف وبمعدات عسكرية لا نهاية لها، واستصدرت قرارات من الأمم المتحدة ومجلس الأمن تعطي لها الضوء الأخضر لهجومها العسكري علي العراق، وذلك من خلال موافقة روسيا ضمنياً علي ذلك وعدم منعه بالفيتو، وبالفعل تم تدمير الجيش العراقي وتجويع وتشريد الملايين من أطفال العراق، وسيطرت الولايات المتحدة علي منابع النفط وأسعاره كما تريد.
أسهب الكاتب كثيراً في الحديث بحكم أوروبيته عن الإتحاد الأوروبي والمشكلات التي تواجهه، كالتوسع قبل تثبيت الأقدام وتحديد سياسة موحده، وكالعملة الموحده، وكذلك تشكيل شئ من الهوية الأوروبية بعيداً عن الولايات المتحدة، ومستقبل حلف الناتو الذي انتهي السبب الذي أُنشِأ من أجله وهو مواجهة الإتحاد السوفيتي ولو يعد هناك جدري من وجوده علي حد قول الكاتب، وكذلك أسهب في الحديث عن فرنسا والتحديات التي تواجهها وذلك أيضاً بحكم فرنسيته.
الكاتب من الغربيين الذين يرون أن المسلمين هم البرابرة الجدد علي حد وصفه، وإذا كان المسلمون كذلك وهذا بالطبع غير صحيح ولا تؤيده وقائع أو أرقام، فهم وبلا شك البرابرة القدامي وما زال منهم من يحتفظ بتلك الصفة حتي الآن ولا داعي لذكر أحداث أو وقائع، فلا فائدة من التدليل علي وجود الشمس لضرير لا يري.
يري الكاتب أن الديمقراطية الغربية لابد وأن تسود العالم، وأنها أساس الإزدهار الإقتصادي، ولكنه يري أنه لابد من تحقيق نمو اقتصادي معقول في الدول النامية أولاً يسمح بتطبيق الديمقراطية لا العكس.