سوف أنتظرك عند سفح الأمل، من العنوان يتبين للقارئ أنها رواية غير عادية، رواية تحمل في طياتها متناقضات كبيرة، فالإنتظار قد يحلينا على الخذلان والشوق والاستسلام، في حين أن الأمل يحيل على العزيمة والاستمرار والمقاومة. ومن هنا تكتسب الرواية رونقا وحلة متميزة ------------------------------------------------ هي ليست مجرد عمل أدبي محظ، لكنها دراسة سوسيولوجية وسيكولوجية من خلال الادب، الدكتور حسن أزريزي ابان عن قدراته الموسوعية في التطرق لعدة مواضيع، ومعالجتها بأسلوب أدبي لائق، ففي هذا العمل الذي لا يزيد عن مئة وعشرون صفحة، سنجد حسن الكاتب، كما سنجد حسن السياسي والسوسيولوجي والفيلسوف أيضا ------------------------------------------------ الرواية تحيلنا مباشرة إلى مفهوم فلسفي شاسع وهو الزمن، ما هو الزمن، كيف يمكن أن نستشعره، ما قيمته في حياتنا؟ أسئلة وأخرى جعلها الكاتب تطرح نفسها من خلال شخصيات الرواية، حيث جاء على لسان أحد الشخصيات ما يلي،" قد يكون القطار قد مر منذ مدة قبل الأوان، ونحن الذين قدمنا إلى المحطة متأخرين بعد فوات الأوان"، ثم يجيبه أخر، "قد يكون القطار قد مر وأنت في منتهى سباتك العميق، تحلم بسيارة فاخرة" ------------------------------------------------ هذا المفهوم العبثي للزمن، يضفي على هذه الرواية بعدا فلسفيا مغريا. وكما تبين لكم من الاقتباسات، فالرواية تدور أحداثها بمحطة القطار، حيث الجميع ينتظر وصول قطار لم يصل، ومن تلك المحطة البئيسة نجح الكاتب في نقلنا إلى عوالم أخرى عن طريق تقنية الفلاش باك، لنتعرف على قصة كل من المنتظرين، ومن خلال قصصهم طرح أزريزي قضيا مجتمعية جد حساسة. هذا الأسلوب الأدبي القائم على الانطلاق من موضوع صغير ثم التوسع به، هو أسلوب لا يتقنه إلا كاتب متمرس ------------------------------------------------ لنتحدث الآن قليلا عن الشخصيات، في محطة القطار لم تكن الشخصيات تعرف بعضها، وكل منها كان منشغلا بهمه، لكن كان هناك شيء ما يوحدهم جميعا، وهو أرواس، أرواس هي بلدتهم جميعا، التي ينتظرون بفارغ الصبر قطار الأمل ليخرجهم منها. ------------------------------------------------ أرواس، اسم امازيغي يعني الكارثة، وقد كانت فعلا الكارثة هي هويتهم جميعا، وحَدهم انتمائهم لأرواس ورغبتهم الملحة في التشبث بالأمل، وهنا تبرز لنا جليا مهارة الأستاذ أزريزي في الترميز والمجاز. حيث جاء على لسانه في الرواية، "تقع أرواس بين شموخ العنفوان وبراءة النسيان" ------------------------------------------------ وإذا كانت أرواس هي الوطن الذي يوحدهم جميعا، فلكل منهم جعل الكاتب منزلا خاصا، أحمد وصديقه المهدي كان بيتهم في وطن أرواس هو حلم الهجرة وصعوبة الاندماج. أما شامة فقد كان بيتها هو مرض السرطان الخبيث الذي لم تجد له جهدا فسمحت له بالنخر من جسدها، بل وكان لها بيت إضافي أيضا هو خذلان الحبيب. أما عمر، فقد كان له بيت من نوع أخر، كان بيته هو البطالة وتبعياتها. ------------------------------------------------
تعالج الرواية مجموعة من القضايا والظواهر الاجتماعية التي أضحت تؤرق الافراد والمجتمعات. فالشخصيات التي اختارها الروائي حسن ازريزي رمز من رموز المعاناة التي تعانيها فئة اجتماعيه معينة، ومحطة القطار ما هي إلا رمز من رموز محطة حياة الإنسان البئيسة الذي يأمل بفطرته دائما إلى التغيير والى غد مشرق مليء بالحياة والحركة والتفاؤل والحبور والسعادة. فداخل هذه المحطة تجتمع المعاناة والمآسي مكانا لكنها تختلف زمانا، فكل شخصية من الشخصيات التي اختارها تحمل في دواخلها قضية معينة بالرغم من انتمائها إلى مكان واحد وهو أرواس. تلك البلدة المتجمدة روحيا والمكدرة المغبونة العاجزة عن غرس الأمل ونثره في نفوس أهلها. هذه البلدة التي شهدت آنفا بطولات مجيدة وعرفت بالعزة والأنفة والشموخ، كشموخ جبالها العتيدة التي لا تسمع فيها إلا أهازيج مختلفة بأصوات شعبيه تبعث الامل في النفوس، وعذرية الطبيعة الطاهرة الصامتة.
إن هذا الكتاب يستحق القراءة، فقد طرح مجموعة من القضايا والمشاكل الإنسانية والاجتماعية وأوجد لها حلولا. إلا أن بعض القضايا المطروحة تركت للقارئ أو لربما ستعالج في كتابات اخرى مثلا: هل سيتأخر القطار أكثر فأكثر؟ وهل بعض القوى الفاعلة كخولة التي تبحث عن فارس أحلامها، والرجل الذي يبحث عن شقه الثاني، وعائشة التي تنتظر عودة زوجها ستجده حيا؟ وهل تستطيع تجربة قصة حب أخرى؟ هذه مجموعة من التساؤلات قد يجيب عنها الكاتب في كتابات أخرى بشخوص أخرى وأزمنة وامكنة مختلفة عن أرواس ومحطة القطار. أنصح جميع القراء، بل وحتى أولئك العادلون عن القراءة أن يطلعوا عليها لأنهم سيجدون فيها لذة ومتعة، ويستهوون إعادة قراءتها مرات عدة. وأنت تطلع وتقرأ صفحة بعد صفحة، تحس وكأنك تنظم عقدا بديعا وتتشوق الى رؤيته في حلته الأخيرة وقد اكتمل جميلا جذابا يسر الناظرين، وهنا تظهر حبكه الكاتب حسن ازريزي وقوته في التأثير على القارئ حيث يجعله مشدوها منجذبا بكل حواسه ومشاعره، فاختيار المكان أرواس وأسماء الشخصيات، ومعالجة القضايا الاجتماعية والتحولات السردية، عناصر جعلت من هذا الكتاب يستحق القراءة مرات ومرات.