سؤال الهوية وعدم القدرة على تمثل شخص آخر ليس أنت هو المعنى الذي تنهض عليه رواية "غُربة يهودية" للكاتبة رجاء بندر التي اختارت أن تشتغل على صعوبة الانتماء إلى مجال ثقافي مُغلق في شكل علاقة حب مستحيلة جمعت وفرقت رجلاً عربياً مثقفاً يملك المال والجاه بفتاة يهودية جميلة تنتمي إلى عائلة فقيرة تعيش في اليمن؛ ما لبث أن فارقها بعد ثلاث سنوات زواج تاركاً طفلته معها تعيش طقوس اليهودية في بيت الجدّة والأم إلى أن أصبحت شابة. وبعدما فارقت الأم الحياة، يأتي الأب ويطلب من ابنته الرجوع إلى موطنه والعيش معه ومع زوجاته وأمه وأبنائه وخوفٌ داخله من أن تبقى ابنته على دينها اليهودي.. أما هي فعزمت ومن أول خطوة خطتها معه أن تحافظ على يهوديتها ويمنيتها إلى أن تموت.. تنتقل الفتاة إلى موطن الأب وتدخل في شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والعائلية، يتقبلها البعض ويرفضها البعض الآخر؛ ويحتضنها الأب بعطفهِ وحنانهِ. فتجد نفسها في حياة أخرى غير التي اعتادت عليها. تلبس النقاب الأسود وتزور المقابر وتعيش حكايا اجتماع الجن والإنس بين الواقع والخيال.
يخوض النص في فوضى عارمة بين الوجوة والأسماء دون إدراك حقيقي لمن يدير دفة الحديث، فالسرد يتنقل بين شخصيات عدة دون وضوح معالم الشخصية التي تمسك بخيط الأحداث ومدى إرتباطها بالشخصيات الأخرى من حولها، فالنص يبدأ بخبر موت مفاجئ وإنتقال "عفراء" الفتاة اليهودية بصبحة والدها المسلم من إحدى القرى في اليمن إلى مسقط رأسه، لتعيش في كنف عائلته التي تكثر فيها الزوجات والأبناء والأحفاد والأقارب فيبدأ السرد بالتنقل بين سيرة وأخرى ليتناول السرد كل الشخصيات فكل شخصية تنقل الحدث من وجهه نظرها، و"عفراء" ضائعة في سلسلة لا متناهية من أحاديث الموت والمقبرة والعائلة وقصص النشأة وذكريات الطفولة وحكايا الأقارب الذين غيبهم الموت وجرائم القتل والإنتحار، وأنا كقارئ ضائع تماماً مثل "عفراء" أحاول أن أتمسك بخيط من خيوط السرد حتى أدرك الحكاية ومغزاها، إلا أنني إنتهيت منها دون أي إدارك فعلي لما حدث وكان.
النص يعج بأصوات كثيرة تتحدث بلا توقف، ويتقلب بين الوجوة دون أن يمنحك فاصل محسوس لمعرفة من من بين تلك الوجوة الذي إستلم طرف الحديث وأخذك معه في حكاياته، كذلك لا يتوقف عن الدخول والخروج بين حالة الحلم إلى الواقع والعكس تماماً، مما أفقدني شعور الإستمتاع بقراءة الرواية، فالأحداث عشوائية وكذلك أصحابها، والنص منغمس في غموض يغلفه الموت وأحواله، والعائلة على كثرة أفرادها لم يمنحوا الرواية ثقلاً غزيراً بالأحداث بل على العكس تركيز الرواية كان مُنصباً على قضية واحدة هي الموت بإختلاف ظروفها، والغربة هي غربة "عفراء" وسط كل ما يجري، كانت قراءة ثقيلة على النفس بكل ما فيها، وبدأت بفوضى وإنتهت إلى فوضى.