لقد توغل حازم أكثر مما ينبغي له ووصل لأعماق الويب الحالك السواد، رباه! إنها أبعاد منتقاة من أجل الرعب! سيعرف العالم حتمًا مصطلحًا جديدًا جاء ليجثم على النفوس للأبد.. أهلًا وسهلًا بكم في الطبقة الثامنة.
أعرف "إسلام سمير" منذ فترة ليست بالوجيزة .. شاب اسكندراني جميل يعرف كيف ينتقي كلماته، وقد تولدت ثقة مني تجاهه على مدار ست أعمال كتبهم - أربعة منهم قد قرأتهم بالفعل - حتى بت أوقن في مقدار الإضافة التي يقدمها "إسلام" في كل عمل يقوم بكتابته وتقديمه إلى القارئ.
"إسلام" يملك حصيلة تراكمية من معارف عديدة .. ساعده في ذلك مهارة بحثية يستطيع بها الانتباه للأمور المثيرة للاهتمام بين الكتب ومواطن الغرابة التي تصلح أن تشكل قصص مستقلة، ساعده على ذلك مكتبة كبيرة يغبطه الكثيرون عليها. هكذا هو "إسلام" ببساطة.
قرأت لـ"إسلام" مؤخرًا نوڤيلا " الطبقة الثامنة" وهي عمل يتبع سلسلة "ساعة قراءة" القائم عليها الكاتب " تامر عطوة" وصاحب فكرة المشروع والتي تم خروجها إلى النور بشكل ظريف أهنيه عليه بشدة، والتي تتفاوت مستوياتها وألوانها الأدبية ونوفيلا "إسلام" هي محور حديثنا هنا الآن.
(الطبقة الثامنة .. صعوبة التصنيف)
تعجز النوڤيلا القارئ كثيرًا في وضع تصنيف محدد للعمل، هل هي نوفيلا خيال علمي مرعبة؟ أم رعب مبني على فرضية علمية. وإن كنت أجد أن التصنيف الثاني هو الأكثر دقة لواقعية وعلمية الفكرة واستحالة وقوع أحداثها.
(ما المميز في طبقة ثامنة؟)
فكرة الرواية على حد علمي لم تنفذ بتفاصيلها من قبل وإن كانت تتبع نمط الروايات التي تعالج فكرة خروج العمل البحثي عن المسار الذي حدده له البشر، وقد عالج "إسلام" ونأى عن موضع التشابه في بناء الحدث الدرامي القائم على التشويق والإثارة وتطعيم أحداثه بالفرضية العلمية من البداية حتى ذروة الأحداث. قرأت قليلًا حول ترميز الأسرار العسكرية ومحاولة إخفائها في قاع شبكة الانترنت، ولكن معالجة الفكرة من خلال الابتكار الذي قامت عليه فكرة النوڤيلا جديد للغاية وهو وجه من وجوه التميز في قصة "إسلام".
(دان براون .. الذي تظهر يده من خلف الستار)
لو طلب مني أن أستنتج جذور التكوين لـ"إسلام" من خلال هذا العمل وحده، فاستطيع أن أقول بوضوح أن الطريقة السردية ومنهجية التنقل بين المشاهد لـ"دان براون" تظهر بعضًا منها في هذا العمل بالذات على خلاف أعمال "إسلام" السابقة خصوصًا في طريقة التنقل بين الأماكن وسرد الجزء المعلوماتي في القصة على لسان الأبطال، أختلف "إسلام" بالطبع ببناء المسوخ في العمل والنمط المفزع للأحداث، ولكن الإنتماء إلى المدرسة الأدبية لـ"دان براون" واضح، وما زالت يد الأخير تشير لكاتبنا من خلف الستار.
(أوسكار أفضل مشهد في النوڤيلا)
المشهد الأفضل من وجهة نظري - ليس معنى ذلك عدم جودة الأخرين - يفوز به المشهد التالي وإن قمت بذكره فقد ذكرته بعد نشر الكاتب له على صفحته:
رفع "ستيف بافيت" الهاتف إلي أذنه و ... - هناك مكالمة إلتقطناها عبر الإنترنت العميق، سنرسلها لك على بريدك الإلكتروني ونريد تتبع مصدرها والتحقق مما تحتويه، مقابل أي رقم ستحدده عند نجاحك صمت تام مكالمة قصيرة وموجزة إنتقل على الفور إلي بريده الإلكتروني وفتح الملف الصوتي المرفق بالرسالة . أزيز متقطع مع صوت يشبه الأنين المكتوم صوت هادئ رخيم يقول: - هل تحب "شتراوس"؟ الصمت يستمر لثوان يتخللها صوت الأنين صوت بارد يرد : - دائما ما أفضل "فاجنر". صوت نغمات موسيقية تصدح - لقد بدأت المرحلة السادسة بالأمس. الصوت البارد يقول بلهفة : - هل نزعت نصفه كما إتفقنا ؟ - لقد نزعت القفص الصدري بالكامل - مستحيل، بالتأكيد الموضوع رقم 15 قد إنتهى. - لا يزال على قيد الحياة والمؤشرات جيدة. هنا بدأ "ستيف" يتوتر ويشعر بعدم الراحة الصوت يكمل: - لقد إستخدمت شبكة من التيتانيوم لحماية الفص المتبقى من الرئة اليسرى والقلب. - هل تبقى ما يكفي من الجلد ؟ - لك أن تراهن على هذا لقد قمت بأفضل عملية ترقيع يمكنك أن تتصورها. - وبالنسبة للأطراف؟ - لقد بترت ما تبقى من الساق اليمنى حتى مستوى الحوض وأزلت الأعضاء التناسلية. - والإستجابة ومستوى الإدراك ؟ - جيدة جدا ولكن مسكنات الألم غير كافية، ولن أخاطر بإستخدام قنطرة عبر النخاع الشوكي الأن لذلك ما يزال يتألم كما تسمع. - وماذا عن موضوعك ؟ إنتفض ستيف وأوقف التسجيل وابتعد في خوف آولي غير مبرر عن حاسبه وهو يتطلع إليه في غير تصديق. دقات قلبه صار صوتها كقرع الطبول في أذنيه، عرق بارد غزير بدأ يغرق جسده، شعور بالهبوط يهاجم حواسه. عما يتحدثان هذان المخبولان ؟ هل هي دعابة سخيفة ما ؟ تغلب على خوفه وعاد ليستمع في فضول - موضوعي رقم 12 لا يزال مستقرا، لأنني أتحرك بهدوء فنحن نمتلك الزمن كله ولا داعي للعجلة والتهور، حتى لا أكرر نفس الأخطاء التي جعلتني أفقد المواضيع أرقام 7 و 9 و 11. - هل بدأت في البتر المتتالي ؟ - قمت بنزع الكلية اليسرى وفصين من الكبد والرئة اليمنى خلال ثلاثة أسابيع، وسأطمئن على المقاييس الحيوية قبل أن أستكمل. - يجب أن نتحرك حسب الجدول حتى نصل إلى لحظة الإكتمال معا، ونضع توقيعنا في سجلات التاريخ لتتذكرنا الأجيال القادمة إلى الأبد. إنتهى التسجيل وظل "ستيف" محدقا في جهاز الحاسب لدقائق،قبل أن يتحرك لينتزع علبة بيرة جديدة من رف المبرد، ويفرغها في جوفه بنهم، تحرك خارجا من مكتبه ودقات قلبه تتسارع، يتحسس الجدران ليتغلب على دوار يستعمر رأسه.. تحرك إلى غرفة إبنتيه (كاثي) و(جين)، وقف على الباب يتطلع إلي شجارهما الطفولي حول قطع المكعبات، الجليسة تراقبهما ضاحكة وهي تحاول إقناعهما بتقاسم قطع المكعبات، إبتسم رغما عنه وشعر بخوفه يتلاشى قليلا وبأن ما سمعه منذ دقائق قد كان مجرد حلم سخيف، غريزيا كان يتفقد أركان مملكته ويتأكد من سلامة دائرة الأمان التى تحيط بعالمه الصغير، تسلل إلي مرسم زوجته ليجدها غارقة وسط ألوانها ولوحاتها المجنونة تضيف مزيد من الظلال الزرقاء للوحة سريالية ما، وصوت موسيقى كلاسيكية فاخرة يعربد وسط أركان المرسم خارجا من سماعة عملاقة في حجم طفل صغير. إلتفتت إليه في عدم فهم فهي غير معتادة على دخوله مرسمها فأشار إلى السماعة ليقول بصوت مرتفع : - موسيقى رائعة إبتسمت ورفعت صوتها ليسمعها وهي تقول : - إنه (فاجنر).... إرتجفت زاوية فمه وهو يتذكر الموسيقى التي سمعها في أول الملف الصوتي وأرسل لها قبلة عبر الهواء وخرج متجها إلى مكتبه
من هؤلاء؟ وعما يتحدثان ؟ وأي هول هذا الذي يتحدثان عنه ؟ ولدقائق أخرى وقع تحت صراع (الإقدام – إحجام) النفسي الشهير وكاد أن يمحو الملف الصوتي، قبل أن يتغلب على خوفه ويقرر أن يغوص خلف المكالمة إلى أبعد الحدود.
في النهاية وفق "إسلام" في العمل بشكل رائع بداية من اختيار اسم يلتصق بالذهن كـ" الطبقة الثامنة" وعبقرية الفكرة وتصويرها، ربما فقط نهاية الرواية المفتوحة هي التي جاءت صادمة بالنسبة إلي ولكن ربما كانت تمهيدًا لجزء قادم فمن يعرف.