كتاب مهم، على الرغم من قصره، للمفكرة الشيوعية البولندية روزا لوكسمبرغ (كتبته باسمها المستعار حينها "يوسف حمورة")، وقد صدر عنها في أعقاب الثورة العمالية الروسية سنة ١٩٠٥ - حيث كان لا يزال لرجال الدين، وخصوصا في الأرياف الروسية، تأثير كبير على المجتمع وطريقة تفكير أفراده - بعنوان "Socialism and the Churches" ، والذي قام بتعريبه بدرجة جيدة، المترجم محمد أبو زيد بعنوان "الكنيسة والإشتراكية".
تتناول روزا في مضمون كتابها، طبيعة العلاقة بين الكنيسة (رجال الدين) والمؤسسة الدينية المسيحية بالطبقة الكادحة المستغلة ونضالها التحرري كما تتناول علاقتها كذلك بطبقة أصحاب السلطة والنفوذ والحكم (الملوك، النبلاء، الإقطاعيين، والبرجوازيين الرأسماليين في مرحلة لاحقة)، العلاقة التي انحاز في بدايتها مؤسسوا الدين المسيحي (الثوري والتقدمي بمعيار عصره، خصوصا من حيث مسألة اعادة توزيع الثروة والوعي بوجود علاقات الاستغلال ووجوب تحجيمها) إلى الطبقة الكادحة (العمال والحرفيين والعبيد) في حينه، من خلال تعزيز قيمة المشاركة والتعاضد والحد من قيمة التملك، الثراء والملكية الخاصة.
وإنقلبوا عليها حين تمأسست المؤسسة الدينية ضمن هرمية الدولة وأصبحت المسيحية دين الدولة والكنيسة كنيسة الدولة في العهد الروماني، وبذلك غدت أداة من أدوات استغلال النظام للشعب، وتكونت بعدها طبقة رجال الدين الطفيلية (أو تجار الدين والمتكسبين منه) التي سارعت في الانحياز للنبلاء والاقطاعيين والملوك ومشاركتهم في تأمين تدفق الثروة واحتكارها عبر تخدير الشعب وترهيبه بهدف استغلاله والإثراء من قوة عمله.
وهو إطار صالح لايضاح معالم ذلك المجتمع الأوروبي - الروسي المسيحي في القرن العشرين كما هو صالح الى حد كبير لإيضاح طبيعة العلاقة التي تجمع رجال الدين بأصحاب السلطة والسطوة في عالمنا العربي اليوم، حيث تعد المؤسسة الدينية الرسمية أداة من أدوات إخضاع الشعب أيديواوجيا، وتخديره وتجهيله فكريا وثقافيا لضمان سهولة التحكم فيه واستغلاله سواء من السلطات الحاكمة أو من رجال الدين أنفسهم.
كما أوضحت روزا في نصها القيم طبيعة العلاقة بين الإشتراكية والدين، أو حرية الاعتقاد، أي حرية اعتناق أي عقيدة روحية (حرية الضمير) بخلاف ما يتم الترويج له من قبل خصوم الاشتراكية، بأنها تحارب الدين وتهدف لفرض الإلحاد على الشعوب (ما إن ينجح الاشتراكيون في تسنم السلطة) بالقوة!
أما أوجه الربط بين تاريخنا وحاضرنا الاسلامي مع تاريخ وحاضر المسيحية، سواء في مرحلة النشوء أو مراحل الترسمل فهي برأيي كثيرة، منها للذكر لا الحصر: جانب المشاعية أو تقاسم الملكية الذي مثلته عمليات الإخاء بين المهاجرين والأنصار، توزيع الغنائم، مفاهيم الزهد والتكافل الإجتماعي، مفهوم إن الأموال والموارد هي ملك لله وحده وفيها حق لا منة فيه لكل عباده، مفهوم التقوى كمعيار التفضيل الديني، لا الثروة أو الطبقة ... إلخ التي سادت في مراحل الدعوة وتكوين الدولة المحمدية في فجر الإسلام وهو ما دفع شاعرا كأحمد شوقي لكتابة البيت التالي من قصيدته في مدح النبي محمد (ص) بعنوان "ولد الهوى":
وعن التواطئ والتكسب من الدين عبر برقرطته وتدجين رجاله والذين أدمنوا السلطة والحظوة وتاجروا بمبادئ الدين وقيمه السامية وأعلوا من قدسية "طاعة ولي الأمر" وأسقطوا كل ما دونها من تعاليم وقيم وفرائض تدعوا للتكافل، الثورة ضد الظلم والتفكير، يكفي معاينة واقع المؤسسات الدينية ومواقف من يرأسها المخزية التي لا تعد وتحصى.
ملاحظتي هنا قد لا تكون على الكتاب نفسه وإنما على الناشر، الداعم والممول "مؤسسة روزا لوكسمبورغ" المدعومة من الحكومة الألمانية - وهي جهة غير مستقلة، مدعومة ومسيطر عليها من المركزية الإمبريالية الغربية الأوروبية والطبقة البرجوازية الرأسمالية الحاكمة لهذه المركزية. الشاهد هنا هو موقف المؤسسة من: الصراع العربي الإسرائيلي، الثورات العمالية في الغرب الرأسمالي اليوم، من الهيمنة الإمبريالية الغربية (الأمريكية-الأوروبية) ودكتاتورية البروليتاريا. برأيي أن هذه المؤسسة هي مؤسسة أسستها ورعتها الرأسمالية الأوروبية في مسعاها لإعادة انتاج نموذجها -ذاتها- الرأسمالي البرجوازي.
كتاب مهم، أنصح به.
اقتباسات:
"لكي ينجـح النضال مـن أجـل المزيد من العدالة الاجتماعية، ينبغي على القوى السياسية التقدمية أن تمثل صوتا لتلك الفئات من السكان الذيـن يعانون من الإستغلال والفقر، بغض النظر عـن معتقداتهم، وأن تؤسس تحالفات مـع القوى السياسية التي تشاركها هذا المبدأ." ص٣ *المقدمة - بيتر شيفر
"وبدلا مــن دعم الناس المهمومين والمعدمين بفعل حياتهم القاسية، هؤلاء الذين يذهبون بورع وتقوى إلى الكنيسة، ينتقد القساوسة بعنف العمال المضربين أو المناضلين ضد الحكومـة، ويقنعونهم بتحمل العوز والإضطهاد بهوان وصبر جاعلين مـن الكنيسة والمنبر مكاناً للتحريض السياسي."ص٥
"فالإشتراكيون الديمقراطيون يسعون إلى القضاء على هيمنة الزبانية والمستغلين الأثرياء على الشعب الفقير العامل. وبناء على ذلك، حري بالمرء القول، كان على خدم الكنيسة أن يدعموا أولا الإشتراكيين الدميقراطين وأن يمدوا لهم يدهم؛ فتعاليم المسيح، التي خدمها هم القساوسة، تقـول:”أن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله“!" ص٦
"يقف رجال الدين حين يدافعون عن الأغنياء، وعن الإستغلال والاضطهاد على النقيض وبشكل صريح من تعاليم المسيحية. إن الأساقفة والقساوسة لا يتصرفون كخدم لتعاليم المسيح، بل كخدم للعجل الذهبي وللسـوط الذي يضرب الفقراء والعزل." ص٧
"فغالبية القساوسة يقابلون الأغنياء وذوي النفوذ بوجه بشوش وانحناءات خانعة تغفر بصمت لهم كل ظلم وكل فجور. إلا أنه في مـا يتعلق بالعمال، فليس لدى رجال الديـن غالباً سوى معاملة قاسية ومواعظ صارمة مقابل ”تطاولهـم“، إذا ما حاولوا حماية أنفسهم بعض الشيء من استغلال الرأسماليين السافر." ص٨
"وحين يمتلك أولئك، وهم حفنة صغيرة، حصرياً، جميع الأراضي والغابات والمراعي، جميع القطعان والبنية الإقتصادية، جميع الورش ووسائل ومواد الإنتاج، في حين أن الآخرين – الغالبية العظمى من الشعب – لا تمتلك شيئاً يمكنها مـن العمل، لا يمكن في مثل هذه الظروف أن تقوم مساواة بـين الناس، وعليه لا بد من وجود أغنياء وفقراء، وجود فيض وفقر." ص١٦
"نحن لانريد أن يتقاسم الأغنياء مع الفقراء، بل أن لا يكون هناك من حيث المبدأ أغنياء وفقراء. إلا أن ذلك سيصبح ممكناً فقط عندما يصبح مصدر كل غنى: الأرض وجميع وسائل العمل الأخرى ملكاً مشتركاً لكل الشعب العامل الـذي تُنتج من أجله السلع الضرورية وفق احتياجات الجميع." ص١٧
"كيف يغتني الأغنياء إذا لم يكن من خلال الإستحواذ على ما يعود للجميع. لو أن كل فرد لم يمتلك أكثر مما يحتاج للرزق، تاركاً الباقـي للآخرين، لما كان هناك لا فقراء ولا أغنياء." ص١٩-٢٠ *القديس باسيليوس للأغنياء من أبناء الطائفة - القرن الرابع الميلادي
"وبالرغم من أنهم بداية انتخبوا من بين صفوفهم مؤمنين متساويين في الحقوق من أجل تمثيل الجماعة مؤقتا في سلك الكنيسة، ما لبث أن إرتقى رجال الدين إلى منزلة طائفة تسمو فوق الشعب." ص٢٦-٢٧
"إذ كلما ازداد غنى وسطوة رجال الدين، كلما فقد جمهور المؤمنين أكثر فأكثر كل سيطرة على أملاك الكنيسة وإيراداتها." ص٢٨
"وفي القرون الوسطى حين أصبح الشعب العامل أكثر عوزاً وفقراً مـن خلال أعمال السخرة، اغتنى رجال الدين أكثر فأكثر. إذ عوضاً عن الإيرادات الواردة مـن الأعشار وضرائب ومدفوعـات أخرى، حصلت الكنيسة في ذلك الوقت على هبات ووصايا ميراث مـن أغنياء ورعين أو من فاسقين أغنياء مــن كلا الجنسين، ممن أرادوا مـن خلال إرث وافر مقدم إلى الكنيسة في آخر أيامهم افتداء خطاياهم الحياتية." ص٢٩
"وقد كان التبتل قد استحدث في القرن الحادي عشر، إلا أنه تم العمل به، نتيجة لعناد القساوسة، بشكل عام فقط في نهاية القرن الثالث عشر." ص٣٠
"شكل رجال الدين الميسورون جداً مـع نبلاء السخرة طبقة تسود الشعب الفقير وتعتاش مـن دمه وعرقه." ص٣٢
"كما كان رجال الدين العدو المبين لجماهير المدن والأرياف عندما ثار هؤلاء أخيراً من أجل القضاء في سياق الثورة على استغلال أعمال السخرة ولنيل حقوق الإنسان." ص٣٢
"وهكذا تحولـت الكنيسة من سيد للسخرة في القرون الوسطى إلى رأسمالية صناعية ومالية حديثة. وكما انتمت في الماضي إلى الطبقة التي اعتصرت دم وعرق الفلاحين، أصبحت الآن تنتمي إلى الطبقة التي تغتني مـن خلال استغلال عمال المصانع والزراعة، من خلال استغلال الطبقة الكادحة." ص٣٤
"القول أن الكنيسة تعيش اليوم، جنباً إلى جنب مع الحكومة وطبقة الرأسماليين، على حساب العمل الشاق للشعب المستغل." ص٣٧
"أما الشيوعية التـي تسعى إليها الإشتراكية الديمقراطية فلم تعد تلك التي تقسم الثروة التي تنتجها العبيد والأقنان بين المتسولين والأغنياء والكسالى، بل جماعة عمل مخلص واستمتاع عادل بالثمار المشتركة لهذا العمل. لم تعد الإشتراكية تعني أن الأغنياء يشاركون الفقراء، بل تعني بالذات التخلص من هذا الفرق بين الأغنياء والفقراء من خلال تطبيق ذات واجب العمل على جميع القادرين على العمل والقضاء كلياً على استغلال الفرد مـن قبل الآخرين." ص٤٠-٤١
"فجميع هذه الـثروات الضخمة التي راكمتها الكنيسة تم اسـتملاكها من خلال الإستغلال والتمييز ضد الشعب العامل." ص٤١
"فالشعب المستنير، الذي يناضل من أجل حقوقه والمساواة بين الناس، مكروه من قبل القساوسة بقـدر مـا هـو مكروه من جميع الرأسماليين المتطفلين، لأن تطبيق المساواة والقضاء على الإستغلال هو بمثابة رصاصة الرحمة بالأخص لرجال الدين الذين يعيشون على الإستغلال وعدم المساواة." ص٤٢
"وكما زج الرأسماليون عقول الشعب في سجن العوز والعبودية، حبس رجال الدين روح الشعب من أجل مساعدة الرأسماليين بهدف سيطرتهم عليه، خشية أن يقوم شعب متعلم ورشيد بالنظر إلى العامل والطبيعة من خلال عيون رفع العلم الغشاوة عنها." ص٤٢
"يحاول رجال الدين المعاصرين إقناع الشعب بأن ما يعانيه مــن عوز وإذلال لا يعود إلى الظروف الإجتماعية المشينة، بل إلى أمر السماء، إلى قضاء وقدر العناية الالهية. ومــن خلال ذلك بالذات تقتل الكنيسة الروح في الإنسان العامل، تقتل فيه الأمل والإرادة في مستقبل أفضل، تقتل فيه الإيمان بذاته وقواه واحترام الكرامة الإنسانية الذاتية." ص٤٣
"لا تسلب الإشتراكية الديمقراطية أحداً عقيدته ولا تحارب الدين! فعلى النقيض هي تطالب بحرية الضمير الكاملة للجميع واحترام كل عقيدة وكل إيمان. ولكن إذا أراد القساوسة استغلال المنابر كوسيلة صراع سياسي ضد طبقة العمال، سيتعامل العمال معهم كما مع جميع أعداء حقوقهم وتحررهم. فمن يدعم المستغلين والمضطهدين ويحاول تكريس النظام المجتمعي المشين القائم اليوم، هو عدو لدود للشعب، سواء ارتدى جبة القسيس أم بزة الشرطي." ص٥٠
كتيب صغير خطته يهودية ماركسية رائدة منذ ١١٥ عام، يبحث عن دوائر إتفاق الكنيسة مع مفاهيم الحركة الإشتراكية الديموقراطية، ومن خلال ذلك تسرد روزا تاريخ المسيحيين الأوائل وتبحث في أسس الحركة المشاعية الأولى الذي تبنّاها سمعان بُطرس المُبدل منذ ما يقرب من ألفي عام.
الكتاب نفسه لا يسمح للناقد التعقيب عليه بمقتضى العدل والحيادية، خاصة أنه كُتبَ أثناء أحداث الثورة الروسية عام ١٩٠٥م وتُرجم ونُشر لأول مرة باللغة الإنجليزية عام ١٩٧٠م، وتعتبر تلك هي الترجمة الأولى بالعربية والتي يُصدرها عام ٢٠١٧م فرع من مؤسسة روزا لوكسمبرغ الألمانية في تونس، وعدم القدرة على النقد الجيد تأتي من صعوبة إستشعار تفاصيل الأحداث التي بنت عليها روزا فكرتها في الكتاب. لذلك لن أنقُد الكتاب بالمعنى التقليدي، ولكن سأعرض بعض الخواطر النقدية التي جالت بخاطري أثناء قراءته في نقاط:
* بالنسبة لمؤسسة روزا لوكسمبرغ الألمانية، فيجب التحذير من أنها في الأصل مؤسسة يسارية راديكالية، ولها توجهات تنويرية وتثقيفية شاذة فيما يتعلق بالمرأة والتحرر، وغرس أسس العالمانية، هذا على الرغم من تصدّيها لكل أشكال الفاشية والعنصرية، وتُعتبر المؤسسة من أكبر وأهم المؤسسات التي تُمثل التيار الإشتراكي الديموقراطي دولياً.
* في الكتاب تطرح روزا لوكسمبرغ دوافع لاعتناق الفكر الإشتراكي، قمت باختصرها، وأعدت ترتيبها في أربع نقاط : ١- عزو المنشأ للحركة المشاعية الأولى وتوافق ما دعت إليه المسيحية القديمة مع أهداف وأفكار التيار الإشتراكي. ٢- فضح الفساد الكنسي والتحول الكامل من المنهج الاشتراكي إلى الإستغلال الرأسمالي في العصور الوسطى وحتى ما بعد ثورة ١٩٠٥م. ٣-ترسيخ مبدأ التوافق عن طريق عرض مفهوم الحركة الاشتراكية الأساسي، والتأكيد على عدم صداميته مع كل الأديان والشرائع. ٤-عرض نهائي وبسيط لمزايا إعتناق وتأييد الإشتراكية، وبيان فوائده ومنافعه.
تعليقي على النقاط الأربعة: ١- بَنَتْ روزا جذبها للجماهير عن طريق الوقوف على أرض مشتركة بين التيار الإشتراكي وما تدعو إليه المسيحية الأولى. وفي الحقيقة هو بناء متناغم جداً بين فكرتين مستحدثتين، وضامرتين في نفس الوقت؛ فكلاهما مبنيان على باطل هش، ولن يستطيعا الصمود أمام أيٍ من التيارات المنافسة في الماضي والحاضر. فبدعة بُطرس القديمة في استحداث المشاعية، ومشاركة كل معتنقي الديانة المسيحية لأصول أموالهم وأرضهم مع بعضهم البعض، عن طريق وهبها للرسل؛ التي تُدير عملية التوزيع العادل بين الشعب المسيحي، بدعة باطلة لم يدعوا إليها المسيح عيسى عليه السلام، ولو كانت خيراً ما سبقه إليها المُبدّل الكذوب سمعان بُطرس. وهذا الإستحداث الشاذ نفسه هو مكمن الضعف، حيث أن فكرة الاشتراكية الأولى نشأت في ظروف عجيبة وتحت تأثير فكر لاهوتي يدعو للصبر وانتظار عودة المسيح في زمانهم، ولنفس جيلهم. لذلك هي كانت فكرة مؤقتة وغير مدعومة أو مُجهزة للعمل بشكل مستمر مع استمرار تعاقب الأجيال. وعلى نفس المنطق الواهي يبنى الإشتراكيون دائماً رؤيتهم الحالمة مع التأصيل والتأسيس النظري لدوام الرؤية ونجاح الرؤية الاشتراكية، ورغم استحالة الحدوث والصدام المتكرر ما زالوا يستجدون قبول الجماهير لفكرتهم !
٢- في النقطة الثانية تسرد روزا التاريخ الأسود للكنيسة منذ تحول رجال الدين للعمل بأجر بعد نظام التطوع المؤقت، إلى أن ينتهي بهم الحال كرأسماليين يتربحون على حساب عرق وجهد فقراء الشعب المسيحي، وتحالف رجال الدين مع السلطة عبر مراحل زمنية مختلفة، ووصولاً لتأليب البسطاء ضد الاشتراكيين الثوريين. وأثناء ذلك لا تتعرض روزا إلا لمساويء الكنيسة، وتغُضّ الطرف عن أي شيء آخر، بل وتتبنى منطلقات بروتستانتية تسهل عليها مهاجمة الكنيسة والقيصرية، ومن ثمّ التوعية ضد مافيا رجال الدين.
٣- تؤكد روزا على قبول التيار الاشتراكي واحترامه لكل الأديان والشرائع وليس العكس كما هو شائع. وفي الحقيقة تقع روزا في فخ مغالطة منطقية، لأن مباديء وأهداف الإشتراكيين الثوريين دائماً ما تتعارض مع عقائد الأديان السماوية في أكثر من نقطة؛ لا يمكن تجاوزها. كما يتضح في طرحها عوار تناول الدين من منظور برجماتي؛ والذي بدوره يحلل باستخدام أساليب انتقائية تخدم الدعوة الاشتراكية. وسأقتبس فقرة قد تُساعد على فهم الخطأ الذي سقطت فيه روزا من مقال نقدي لصحفي مسيحي يُدعى شادي لويس، قال: "وأخيراً، تَعِد لوكسمبورغ في مقالتها بأكثر مما تستطيع الوفاء به، عندما تقول أن (ضمير الإنسان ومعتقده أمور مقدسة غير قابلة للتدخل. فكل فرد حر في ممارسة المعتقد والقناعة التي تسعده)، فالمبدأ العام الذي لا يبدو عليه خلاف للوهلة الأولى، يفتقد إلى الدقة، وإلى واقعية التساؤل عما يجب عمله إذا تعارض بعض تلك القناعات مع قيم بعينها.. كالمساواة بين الجنسين مثلاً؟"
٤- تعرض روزا المنافع التي سوف تعود على الجميع من خلال القفز مع التيار الاشتراكي؛ الذي يطمح إلى إعادة توزيع الثروات بين الجميع بالشكل العادل، ولا يسعني التعليق على تلك الفقرة إلا بإحالتكم إلى النص الأصلي؛ الذي يحمل الكره الشديد للنظام الرأسمالي العالمي في بداياته، وفي أبسط صوره، فتعبيرات روزا وحساباتها لكمية الأموال والأصول عام ١٩٠٥م قد تُدهش البعض لعِظم ما وصل إليه أُخطبوط الرأسمالية العملاق في وقتنا الحالي، والغالب على ظني إن عادت روزا للحياة ورأت كيف يتحكم الدولار في الإقتصاد العالمي الآن، وكيف يتم طباعة أوراقه النقدية من قِبل مكان واحد؛ لا رقيب عليه؛ ويشرف ويتحكم في عملية طباعة غيره من الأوراق النقدية في كل بقاع الأرض، لآثرت الموت من هول الصدمة.
في الأخير أيها القاريء رغم بداهة ما تطرحه روزا في كراستها الطويلة، وسقوطها في بعض المغالطات، إلا أنها تواجه الأديان بصدرٍ رحب، وتُصدّر خطاب يسعى لتآلف قلوب المؤمنين على إختلاف أديانهم، وهذا عكس يتبنّاه الخطاب اليساري والعالماني اليوم. ومن المُنصف للجميع أن نُدرك أن كل الحركات الراديكالية تتطور، وتتعلم من أخطائها، فروزا بالأمس القريب كانت من كوادر الاشتراكية ومنظّري الماركسية، وكانت لا تهتف بهمجية ورجعية الأديان كما هو حال صويحباتها اليوم من أدعياء الحرية والديموقراطية، ومما لا شك فيه أن الحركة الاشتراكية الثورية قد ذاقت طعم الهزيمة مرات كثيرة في خلال المائة عام الأخيرة، ودائماً ما يكون للإسلاميين خاصة يداً في عرقلتها بطريقة مباشرة، مما دفعها اليوم إلى تغيير الجلد وتبديل المباديء بما يتناسب مع طبيعة حربها على التيار الإسلامي خاصة، واليميني عامة. وبما أن النظام الإشتراكي اليوم لا يستطيع مزاحمة تيار الإسلام السياسي؛ كتيار منافس، فقد إختار أن يُخرجه من حلبة الصراع أولاً قبل أن يلتفت إلى خصومه الحقيقيين من التيار اليميني الصاعد.