ما زال الإسلام حاضرا بين الكيانات والأفراد والنخب المحيطة بعمليات صنع القرار الخارجي غالبا کعبء تقيده مؤسسيا تارة، وتشكله أو تشوهه فكريا تارة، وتتجاهله تارة أخرى. إلا أنه حتى عندما يتجاهل يبقى هذا التجاهل الإشارة الأوضح على حضوره. نصرة المسلمين عبر الحدود، والتعاون الإسلامي، والاستقلال الثقافي، والعزة الهوياتية، وتحكيم الشريعة الإسلامية على الالتزامات والاتفاقات الدولية، وغيرها من المسؤوليات الإسلامية ذات الأبعاد الدولية؛ ما زالت تمثل أعباء على دوائر صنع السياسة الخارجية في العالم الإسلامي اليوم على الرغم من محاولة النخب السياسية في كثير من تلك الدول التخلص منها. في هذا الإطار يأتي هذا الكتاب ليعيد هذا العبء -نظريا۔ إلى دوائر صنع القرار في الدول ذات الأغلبية المسلمة. وذلك من خلال استكشاف مواطن الإرادة والقدرة وما يرتبط بهما من مسؤوليات أخلاقية أو شرعية وقيود دولية على السعي نحو تحمل تلك المسؤوليات في البيئة الدولية المعاصرة.
يقول الغزالي: «وكما أنَّ سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى بل هو مُعينٌ على ما لا يتمُّ الدين إلا به، فكذلك معرفةُ طريق السياسة، فمعلومٌ أنَّ الحجَّ لا يتمُّ إلا ببذرقةٍ تحرس من العرب في الطريق؛ ولكنَّ الحجَّ شيءٌ وسلوك الطريق إلى الحج شيءٌ ثانٍ، والقيام بالحراسة التي لا يتم الحج إلا بها شيءٌ ثالثٌ، ومعرفةُ طرق الحراسة وحِيَلها وقوانينها شيءٌ رابعٌ، وحاصل فنِّ الفقه معرفةُ طرق السياسة والحراسة» (الإحياء ١٧/١). ويقول أبو الوليد الأنصاري: «ثمّ إنَّ الاجتهاد في هذا الزمان وإن كان كسابقه من الأزمنة يرجِعُ إلى أصلٍ واحدٍ إلا أنه الآن قد تعددت مآخذُه وتنوَّعت مصادره وموارده؛ خاصةً ما يتعلَّق منه بالمصالح العامَّة للمسلمين، ومن هذا أبواب السياسة الشرعيَّة التي تتجدد مجالاتها دائماً بتغيُّر أحوال الأمم والشعوب وتبايُن مصالحها؛ فكيف وقد تقاربَ الزمان والمكان، وتقاطعَت المصالحُ بين الأمم وتباينَت… وزِد على ذلك تشعُّب أنواع العلوم والمعارف التي صارت من أعظم أسباب القوة بين الأمم وفوق هذا فالعدوُّ آخذٌ بناصيتها وزمانها يستغلُّها في خدمة مصالحه… ولذا أشرنا في غير موطنٍ إلى أنّ الاجتهاد الجماعيَّ أرعى لتحقيق المصالح في هذه النوازل، فإنَّ الاجتهاد في هذا الباب يحتاجُ إلى كثيرٍ من العلوم والمعارف، والوقوف على اختلاف الأحوال وتبايُن المصالح وتوافُقها، والتفطُّن لخفايا المَكر والكَيد؛ مع مراعاة الضرورات التي يوجِبُها ما صارَ إليه حالُ المسلمين» (زهرُ الخمائل في مسائل النوازل، ص ٣٥٠-٣٥١).
***
كان لا بُدَّ في عصر الحداثة وبناتها من العقلانية والعَلمانية والدولة من المُراغَمة، لا فكاك منهُنَّ إلا بهذا! والمُراغمَةُ منها بل على رأسها وأهمّها وأنجحها: الجهاد، وهناك مراغمةٌ متوازيةٌ معه هي السياسة، والأصل عندنا عدم التفريق، فالجهادُ-عندنا- من السياسة، ولكن في هذه الأزمنة النَّكِدَة أخذَت السياسةُ مفهوماً خائراً منكسراً فُرِّغَ إلا من الشَجب والامتعاض، وهذا المفهوم بهذه الصورة ليس هو الذي عند العدو، وإنما قدَّمه لنا مزخرفاً بحقوق الإنسان ومرصَّعاً بالمساواة، ففرحَ به النَّوْكَى من الإسلاميين وصيَّروه مُطلقاً كلُّ ما خرجَ عنه إفراطٌ مذموم؛ «فلا الإسلامَ نصروا ولا الأعداء كسروا» ومن أنواع المُراغَمة ما اصطُلِحَ عليه اليوم بـ«العلاقات الدولية»، وهي ساحة صراعٍ سواءٌ كنت تصفُ مرحلتكَ بالاستضعاف أو التمكين، وهي في كِلا الحالَيْن مسارٌ من مسارات السلوك إلى الله تبارك وتعالى واتّباع وحيه، إذ الأمر مرتبطٌ بسياسة الدنيا بالدين، أي: عبادةٌ. وهذا ما يسعى الكتاب له؛ فهو يُعيد توصيف البيئة الدولية على أنها «بيئةُ تكليفٍ شرعيّ»، ويُنظّر لنَزع الفاعلية من «الدولة» ووضعِها بيد ما يُسمّيه «صانع القرار» الذي هو في حالتنا مسلمٌ «مُكلَّفٌ شرعيًّا ومسؤولٌ أخلاقيًّا عن أفعاله حتى في إطار الدولة الوطنيّة الحديثة». إذن، الكتاب ينطلق من فرَضية أنَّ «صانع القرار» يريدُ إقامةَ الدين؛ على أرضه وفي معاملاته الدولية، وأنَّ «منصة» عمله ليست الدولة الوطنية الحديثة كباقي دور الكفر، إذ في دار الإسلام الفاعلُ هو الإنسان المسلم المُكلَّف وليست الدولة/الآلة. ويبني نظريَّته على أنه لا يمكن الفصل بين التفكير العقلي والشعور الوجداني، ثم يربط بين أعمال القلوب وتعلّق القلب بالله يقيناً وتوكلاً وتسليماً وخوفاً ورجاءً ومحبّةً، والسياسةِ الدولية، وإذا كنت لا ترى العلاقة بينهما «فلأنك لم تلاحظ نظرة الخوف في عين صاحب القرار عندالتهديد باستخدام القوة، ولأنك لم تنتبه لنظرة الرجاء في عينه عند الوعود، فقط الوعود بالاستثمارات والمساعدات الخارجية، ولأنك لم تشعر بانكسار قلبه عندما يسمع على الرغم من كل تنازلاته عن منظومته الأخلاقية والثقافية بأنه ليس جزءاً من العالَم المُتحضّر. فإذا كانت الحالة القلبية لصانع القرار في السياسة الخارجية محلَّ عبادةٍ فإنّ ملاحظتها وترجمتها إلى أفعالٍ وأقوال في السياسة الدولية المعاصرة وقيودها محلُّ استعانة». فهو يحاول استرجاع القلب ليواجهَ السياسة الدولية ومساراتها، معتمداً على مشاعر/أعمال الخوف والرجاء والمحبة جاعلاً منها استجابات أساسية في هذا السلوك دون إغفال غيرها. وبهذا وحده، أي بالتنبّه لغفلة القلب وتعاهده حتى يعرفُ المُكلَّف أنه في «التقاطع الأكبر بين السعي في سبيل الله والصدّ عن سبيل الله، وأنه قُدِّر له أن يكون تكليفه هناكَ في المواجهة». وبيقظة القلب هذه يمكن الدخول في هذه «الغابة المؤسسية المتجاوزة لحدود الدولي/الوطني/المحلي التي لا يمرّ فعلٌ إنساني إلا من خلالها» التي تبدو أنها تُنتج نفسها ولا يمكن الدخول فيها إلا وتقيّدكَ حتى تردّك عن دينك فتصيرُ عبداً لها؛ فالقلب الحيّ هنا يلاحظ إرادة الله ولا يغفَلُ أنْ لو اجتمعوا عليك ما ضروك ولا نفعوك إلا بإذنه جلّ جلاله، «وبالتركيز على أحوال القلب وأعماله كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدين له والتوكُّل عليه والرجاء في رحمته يربط المقاصدَ والمصالحَ في السماء قبل أن يربطها بالأرض وإعمارها». ولا يُريد باستخدام مقاربة أعمال القلوب إلغاء التأصيل الفقهي، بل خدمةً له.
والمسارات الدولية التي يعنيها الكاتب هي: - المؤسسي: ويقابله -عادةً- الطمع والرجاء. - الأمني/العسكري: ويقابله الخوف. - الثقافي: ويقابله المحبة. ولكل مسارٍ نظامٌ/نَسَقٌ فكريّ؛ فالأول: نسق النيوليبرالية الرأسمالية، والثاني: الأمن الجماعي، والمساواة، واحترام السيادة ونحوها، والثالث: يجمع كلاهما ويزيد. ولكلٍّ منها مؤسسات هي أدوات الهيمنة: مجلس الأمن، الناتو، منظمة التجارة، صندوق النقد الدولي، الإعلان العالَمي لحقوق الإنسان،المنظمات غير الحكومية…إلخ.
والرويّح لا يُنكر وجود القيود الثقافية والمؤسسية التي تفرضها الدولة الحديثة على فاعلية المسلم ولكن يرى أنّ الحالة القلبية لصانع القرار يمكن أن تصمد أمام ميتافيزيقية الدولة. فهو يوافق وائل حلاق في المقدمة ويُخالفه في النتيجة؛ فحلاق يجعل الاندماج حتميًّا، وهذا ما يستشكله الرويّح ويفرّق بين التقييد والإدماج بالرضا الذي محله القلب، وإن كان الواقع إلى الآن يُصدّق حتمية حلاق كما رأينا مع مَن يُسمّى بالإسلاميين، بل بعضهم أُدمِجَ دون أن يدخلَ مرحلة التقييد أصلاً.
والرويّح في كل هذا، يبني على أصول الشريعة وفقهها ومقاصدها، حريصاً على عدم التنازل عن الأصول، بل كان يستهزأ بالمتنازلين.
أبدعَ الرويّح أيما إبداعٍ في بناء تنظيره/تأصيله؛ فبدأ بتأريخ علم العلاقات الدولية واختلاف مذاهبها، ثم شارحاً للبيئة الدولية ومؤسساتها، ثمّ فصّل في الخوف والمحبة والرجاء رابطاً كُلًّا منهم بما يناسب واقع البيئة الدولية. وفي كل ذلك فوائد لا تُحصى عن بِنية السياسة الدولية، ونقدٌ ساخر من المدينة الحديثة والدولة الوطنية ومؤسسات الهيمنة وجُبناء الأمة.
ككتابه الأول «العلوم السياسية مقدمة أساسية»؛ أسلوبه لطيفٌ ساخر، يحاول تسهيل المعلومة قدر الإمكان، وإن أظنّ أنه لم يوفَّق كثيراً في هذا الكتاب، لأنَّ موضوعه متشعّبٌ وما يريده منه الرويّح فريدٌ في بابه، فزاد صعوبةً. *** عوداً إلى النصَّين في رأس المراجعة، كتبَ مشاري الرويّح هذا الكتاب للفقهاء، ليوضح لهم حقيقةَ السياسة الدولية ومسالكها وتعقيداتها وأنه يمكن بعدَ فهمها وإدراك أصولها إيجادُ مسارات للسلوك إلى الله تبارك وتعالى. فعسى أن ييسر الله فقيهاً صادعاً يُعمِلُ أدواته الشرعية ويؤصل لعلاقاتٍ إسلامية في النطاق العالَمي دون إفراطٍ ولا تفريط، فما أحوجَ المجاهدين لهذا، إذ أنَّ باب السياسة الشرعية وفي القلب منه العلاقات الدولية يسبب قلقاً -لا يَخفَى- لهم في حركتهم. وتخصيصي المُجاهدين بالذكر، إذ إنهم الوحيدون القادرون على هذا لأسباب كثيرة، أولها أنَّ بناءهم شرعيٌّ مبثوثٌ في كتبهم، وليس آخرُها أنهم متنبّهون لصور الهيمنة ويعملون على مواجهتها ومواجهة مَن يواليها، وبين ذلك: لم يكونوا يوماً جزءاً في الدولة الحديثة لا ظاهراً ولا باطناً كغيرهم، فما زال الاعتمادُ على قلوبهم في هذه المواجهة ممكناً.
يَعيبُ الكتاب أسلوبه الأعجمي وتراكيبه الأجنبية، حتى لتخالُ أنَّ الكاتب يفكّر بالانكليزية ويكتب بالعربية، وهذا ظاهرٌ في غالب صفحات الكتاب، ومع ذلك تكثرُ تعابيرُ الكاتب البديعة وتمثيلاته اللاذعة مثل قوله بعد حثّه صانعَ القرار أن يملأ قلبه محبةً وخوفاً ورجاءً بالله لا المجتمع الدولي ومؤسساته: «هذه ليست توصيةً بالإقدام غير المَحمود وتفويت المنافع والعزلة، بل تذكرةٌ لصانع القرار بأنه عندما ينتهي من صلاته ويضع ربطة عنقه ليواجه البيئةَ الدولية وفرصها وتهديداتها فهو لم ينفكّ عن حبل العبودية لله، وعندما ينتهي من صلاته ويضع على كتفيه بِشتَهُ ليواجه البيئةَ الدولية وفرصها وتهديداتها فهو لم يخلع عباءةَ التكليف. هذا الكتاب تذكرةٌ بأنَّ السياسة الخارجية عبادةٌ». *** وقد أغفَلتُ الكثير من محتوى الكتاب، وما سبقَ ما هو إلا «تشويقةٌ» لقراءة الكتاب، وإلا فهو أغنى من ذلك بما لا يُقاس!
حدثَ أن قرأتُ كثيراً من الكتبِ التي تتناولُ السِّياسةً والعلاقاتِ الدَّوليةَ .. غيرَ أنَّهُ لم يحدثْ أن قرأتُ كتاباً يبحثُ السِّياسةَ بالمصطلحاتِ الشَّرعيةِ .. ويحاكمُ العلاقاتِ الدَّوليةَ من خلالِ الشَّرعِ وأحكامِهِ .. ويربطُ نجاحَ الدُّولِ في إثباتِ نفسِها على خارطةِ العالمِ باتِّباعِ أوامرِ الله واجتنابِ نواهيه .. كلُّ ذلك بلغةٍ سهلةٍ وأسلوبٍ هادئً وحججٍ منطقيةٍ.