حاول كتم ضحكته حتى لا ينظر إليه المارة، كان يود ان يذهب إلى الكنيسة أولا ليصلي شاكرًا للرب، ولكن شوقه لرؤية ابنه -الذي وهبه الرب له بعد سنين طويلة من الاستجداء والوجع- دفعه للتوجه ناحية باب العمارة أولاً.. صعد الدرجات بلهفة غير طبيعية حتى وصل إلى باب الشقة المفتوح، وبالداخل وجد بعض النسوة، منهن من نساء العائلة، وأخريات جارات مقربات، ولكنه لاحظ وجوم وجوههن قليلاً.. تنقل بين وجوههن الواجمة والتي تهرب من مواجهة عينيه.. خطوات بطيئة مترددة تبدلت معها ملامح وجهه، حتى وصل إلى (حمدية) الداية، التي قالت في عبوس: - مبروك يا أستاذ جاد.. لم يكن يفهم للوهلة الأولى الإحساس الذي راوده فور أن وقعت عيناه على وجه طفله.. تسمرت عيناه على ملامحه.. وتهدج قلبه وتكسرت معه الطموحات والأماني دفعة واحدة وهو يسير بخطى بطيئة نحو زوجته الراقدة على سريرها، لم يرفع نظره عن وليده.. بينما يقول في هدوء سره الإيمان: - الرب أراد يا ماري، وهانسلّم لإرادته..
عن إصرار البشر علي الغواية و الخطا و عن معضلة الخير و الشر، في مجتمع الخطيئة حيث يكفي أن تخفق مرة واحدة حتي تخرج من رحمة الإله، يمثل بعقوب صدمة حقيقية في وجه المجتمع ويضعك في إختبار أمام نفسك، هل ستتقبله و تعترف بأنك أيضا مخطئ؟ أم تتخطاه كما فعل الكل وتُعمي عن أخطائك!؟
لكي أكون صريحا في أول الأمر كرهت يعقوب،كان أنانياً لئيماً لا يتحمل إختبار الإله و أعلن حربه عليه متحدياً له في إختياراته، مذكراً إيناً بالإثم الذي وقع في جميع البشر، يذكرنا بالرفض و التبجح الذي نقابل به الإله كل يوم، ومع مرور الأحداث جعلني و بكل صدق أُدرك لماذا أكرهه، لقد رأيت شيأً في يعقوب، كم أنه حقيقي، أراني فيه أري رفضي و مقتي لنقائصي، أَشعرني كم أنه حقيقي حتي أني تخيلت وجهه الدميم.
قرأت ذات مرة في رائعة (دان براون - الأصل) أنه "تاريخيا يعتبر رجال الدين أكثر الناس خطورة علي وجه الأرض". ولكن ما فعلة مصطفي سلمي هو أن اثبت أن لكل منهم خطيئته الخاصة ليخاف الإله منها. و الواقع أن مصطفي سلمي جعلني أفاجئ بصفتي الأساسية كاقارئ و أجد كاتباً مصرياً بهذه الروعة، فاجئتني الألفاظ و رشاقة التعبير قبل كل شيء و لكن المفاجئة الحقه كانت في الفكرة وراء الرواية، في وقت كنت فقدت فيه الأمل أن أقراء لكاتب مصري شاب علي قدر حقيقي من الثقافة ، جاء مصطفي سلمي ليعيد لي الأمل في النهاية.