" كأنني أريد " يذهب بعيدا عن كل التنظيرات والقوانين والثوابت ليقدم أفقا خاصا ، واقتراحات جمالية مختلفة نسبيا عن السائد والمستهلك ، والابتعاد عن الشائعات التي أضرت بقصيدة النثر . هو الديوان الثاني بعد " المتربصة بنفسها" وبينهما كانت رواية " وردة الرمال " ، والشاعرة تنحو في كتابتها نحو المزج الفني بين المجازي المفرط ، والواقعي المعيش بشكل عام ، مبتعدة عن قرض بنية واحدة للقصائد، فالقصائد طوال ديوانها حالات افتراضية أو اقتراحية ، وهي حالات جمالية تفترض الحياة ولا تدينها ولا تهجوها ، لا فرح بالموجود والقائم ، ولكن هناك بناء مجازي لحياة متصورة .
أصدرت غادة نبيل عدة دواوين هي 'المتربصة بنفسها' عام 1999 'كأنني أريد' 2005، 'أصلح لحياة أخرى' 2010، وأخيراً 'تطريز بن لادن'، وكانت قد أصدرت رواية في العام 2001 تحت عنوان 'وردة الرمال'، وأعيد طبعها في مكتبة الأسرة عام 2004.
شأتُ في الإسماعيلية إحدى مدن القناة في مصر. ابنة لأسرة بورجوازية متوسطة فأبي رحمه الله كان طبيباً بارعاً يحب مهنته والناس، وأمي تُدرّس اللغة العربية التي أورثتني حبها. جيراننا هم أصدقاء العمر اليونانيون الذين ما زالوا يزوروننا كلما أتوا إلى مصر بعد أن دُفِعوا إلى الهجرة منها كأقليات متمصرة كثيرة. ونزورهم كلما ذهبنا إلى اليونان. كان من الطبيعي دائماً وجود الحب في كل ما حولي ومن حولي. عدا التجربة المشتركة (بيننا وبين الجيران اليونانيين المصريين الذين اقتسموا معنا معايشة الحرب) لنزول المخابئ والاستماع إلى أصوات الطائرات الإسرائيلية إبان الغارات والتي كنا نعرف ونخمن منها البيوت التي ستحل عليها اللعنة، لنطلع عقب انتهاء القصف ونكتشف صحة تخميناتنا وأسماعنا، ثم 'الخروج' الذي أنهكنا مع تهجير المدينة.. التي كانت ما بين مدينة وبلدة، قبيل نكسة 1967، أقول عدا هذا التهجير القسري الفيزيولوجي والمعنوي عن الوطن الذي صار الإسماعيلية أو الإسماعيلية التي اختصرت الوطن. كانت طفولتي نموذجية، العصر الذهبي الذي استطال وبُتِر الذي عرّفني أول مذاقات السعادة والأمان، قيمتان لن تظهرا مرة أخرى في سماء العمر سوى مرة ثانية أخيرة ونادرة حين أحببت للمرة الأولى وأراها الوحيدة لدى سفري للدراسة في الخارج. تنقلت مع الأسرة منذ التهجير وحتى العودة الى أرض بلدي، تصادف ان ذلك حدث بعد عودة المدينة وإعادة تعميرها عقب حرب أكتوبر 1973. كنا قد عشنا في بلاد عربية مثل ليبيا التي سريعاً ما قامت فيها ثورة الفاتح وعشنا في بلاد أوروبية بحكم دراسة أبي. دائماً كنتُ أنتظر شيئاً لم يحدث.. لعلي كنتُ أنتظر شخصاً لا يتحقق في الواقع ! عن الشق الثاني من السؤال يمكنك تأمل كيف كنت مؤهلة للكتابة والتفكير دائماً بلغتين وثقافتين ربما حتى قبل تعلم القراءة والكتابة، بل إن أمي تخبرني أنني كنتُ أتقن اليونانية وأنا بعد طفلة فيحارون من الكلام أمامي بالعربية واليونانية حين لا يريدون أن أفهم شيئاً يتحدثون بشأنه، ولو أن أحداً غيرها قال لي هذا لما صدقت فأنا لا أتذكر كلمة يونانية واحدة. كانت الجارة التي تتركني أمي معها ببناتها اليونانيات ( الآن عجائز) تطعمني ساندويشات 'المورتاديلا' (لحم الخنزير) وتأمرني بتقبيل يد القس اليوناني الزائر فأمتثل وكن يعلقن صليباً على ملابسي لحمايتي حين تسوء صحتي وأمي لم تنزعج. مرة عدتُ مع إحدى البنات إلى البيت
إن من أكبر الكبائر عندي ** عد هذا الكلام شعرا ظريفا رحم الله من تذوق حلو الشعر** فاستقبح الكلام السخيفا دائما أعيد و أكرر أن تسمية مثل هذه الكتابات شعرا هي جريمة نكراء في حق الشعر ، فأرجو أن يلتمسوا لها إسما آخر أو صفة أخرى، حتى أنه من العيب أن نقارنها بالشعر الجيد . فلا لغة جزلة و لا وزن مطرب و لا قافية جميلة ، بل هي أقرب إلى الهذيان . دون أن أنسى أن معظم من يكتب هذا النوع من الكلام يغلب عليهم قلة الحياء و الفحش و الايحاءات الجنسية كما أن لديهم جرأة عظيمة على الله عز وجل و وصفه بما لا يليق - والآخرة أعظم من الأولى-،و بذلك جمعوا بين سوء أدبهم مع الله و مع خلقه، وصارت كتاباتهم كما قال الأول "أحشفا و سوء كيلة"